Skip to main content

عزمي بشارة يسائل "مستقبل القضية الفلسطينية".. الآفاق الضرورية والممكنة

2018-05-12

عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات، السبت الموافق الـ12 من أيار/مايو، محاضرة للمفكر العربي عزمي بشارة، حول "مستقبل القضية الفلسطينية ومآلاتها"، ضمن أعمال المؤتمر السنوي الخامس للدراسات التاريخية "سبعون عامًا على نكبة فلسطين: الذاكرة والتاريخ". 

وافتتح عزمي بشارة محاضرته بالإشارة إلى التعقيد الذي لاقته القضية الفلسطينية تاريخيًا، نتيجة وقوعها على حدود مسألتين معقدتين، هما المسألة العربية والمسألة اليهودية، بالإضافة إلى التورط في تحول الصراع إلى صراع ديني. وكرر بشارة ما أورده في عدة كتب ومقالات سابقة، عن تصدير المسألة اليهودية من خلال الاستعمار الصهيوني خارج أوروبا، والاعتراف باليهود كأوروبيين بعد خروجهم فقط، وهو ما ساهم  في بناء سردية تحتكر دور الضحية، وفهم إسرائيل باعتبارها حركة قومية وتحررية، وليست نموذجًا مباشرًا على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي.

من جهة أخرى، تضفي المسألة العربية مزيدًا من التعقيد على القضية الفلسطينية، كما يوضح المفكر العربي، من خلال استغلال الأنظمة العربية للصراع مع إسرائيل باعتباره شعارًا للمزاودة السياسية، إضافة إلى استغلال هذا الصراع من أجل إضفاء شرعية داخلية للأنظمة العربية، كما يحدث مع النظام السوري، الذي قدم نفسه عرابًا لمحور الممانعة قبل الثورات العربية، رغم أنه كان يخوض جولات مفاوضات مع إسرائيل، لم تتضمن حقوق الفلسطينيين، وإنما كانت مجرد تسوية على الجولان تحاول محاكاة كامب ديفد.

تستغل هذه الأنظمة مقولة فلسطين أولًا من أجل تهميش قضايا الشعوب العادلة الأخرى، وقمع تطلعاتهم من أجل الحرية والإصلاح الاجتماعي والسياسي. مع ذلك، فإن عزمي بشارة يؤكد مستشهدًا بنتائج المؤشر العربي الذي أصدره المركز العربي للأبحاث قبل فترة، على بقاء فلسطين قضية مركزية للعرب، وليست قضية الفلسطينيين وحدهم. مشيرًا إلى المحاولات المستمرة من محور الثورة المضادة في شرعنة التطبيع مع إسرائيل، وتحويله إلى نوع من التحالف. ورغم أن هذا المحور يتخلى عن القضية الفلسطينية بشكل واضح، إلا أنه ما زال يستخدمها من أجل كسب ود أمريكا، نتيجة سلسلة من المواقف الودية مع إسرائيل. ورغم ذلك، فإن دوله تلوم الفلسطينيين على تنازلها، وعلى تحول موقفها من إسرائيل.

في مقابل ذلك، فإن مدير المركز العربي للأبحاث يؤكد على كون التمسك بالقضية الفلسطينية، هو الحل من أجل تعزيز النزعة العروبية، فتطبيع الثورة المضادة ارتبط بتراجع هذه النزعة، وصعود سرديات هوياتية فاشلة لكل قطر على حدة. بينما كان التضامن مع القضية الفلسطينية العادلة رافعة من أجل تطلعات الثوار العرب. وقد أعادت الثورات العربية فلسطين إلى مركز الصراع وهو موقعها الطبيعي، وهذا ما جعل إسرائيل تعتبر عام 2011 أسوأ أعوامها، بيد أنها تعاملت مع 2013 كأفضل سنينها، مع صعود الثورة المضادة وتبلور محور عربي "معتدل" يعزز علاقاته بها.

لقد ارتبطت الثورة المضادة كما وضحت المحاضرة، بنوع من المقايضة بين دول عربية رجعية وبين الغرب، تتم خلاله الإشادة بهذه الدول وتجاهل الأوضاع الحقوقية فيها، مقابل تقديم تنازلات أكثر لإسرائيل. وتقبل الدول الغربية بسبب المسألة اليهودية ولأسباب أخرى منها مصالحها مع الاستبداد، بهذه المقايضة، فمصلحتها غير مضمونة في حال تحقيق الديمقراطية.

يتطرق عزمي بشارة في آخر المداخلة إلى الراهن العربي والفلسطيني، الذي يعتبره امتدادًا للأزمة التي شكلها اتفاق أوسلو، من تهميش لحركة التحرر الوطنية، والاتجاه نحو سلطة محلية بدون دولة. لقد ساهم وجود هذه السلطة بوجود صراع فلسطيني فلسطيني عليها، وناب هذا الصراع عن التناقض مع إسرائيل نفسها. بينما يتم استنزاف جل الجهود الفلسطينية في هذا التنافس. ووجه بشارة نقدًا لاذعًا للمفاوضات باعتبارها نموذجًا عبثيًا، لا يمكن أن يؤدي إلى أي حل، ولكنه على العكس يعيق تشكيل واجهة للنضال الفلسطيني تطالب بحل.

وانتقل صاحب "أن تكون عربيًا في أيامنا" إلى الحديث عن استراتيجيات المقاومة الممكنة والمطلوبة، ومنها استراتيجية المقاطعة التي ترفض السلطة الفلسطينية تبنيها، رغم أن الإجماع على هذا الخيار هو الطريق الوحيدة التي قد تحقق أكبر نجاعة ممكنة له. وفي نفس سياق تشكيل إجماع وطني، أشار إلى أن الوحدة الوطنية تكون من خلال منظمة التحرير ولكن ليس بطريقة شكلية كما حدث في عقد المجلس الوطني. 

وأعاد عزمي بشارة الحديث عن النموذج المفاهيمي الذي سبق واقترحه لفهم الواقع الفلسطيني، باعتبار أنه يخضع لنظام فصل عنصري استيطاني إحلالي، يتغلف بنزعة دينية، وبفكرة المسألة اليهودية.

وفيما يتعلق بالاستراتيجيات المطلوبة، ومآلات القضية الفلسطينية، استعرض بشارة مجموعة من الخصوصيات التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، من بينها عدم وجود دولة أم للمستوطنين، مثل نموذج الاستعمار الفرنسي للجزائر مثلا، ولذلك فإنه من المفترض أن يكون هناك واجهة لنضال من أجل تحقيق تسوية تاريخية عادلة، مع تفكيك المسألة الكولنيالية، يُنجز من خلال طرح القضية الفلسطينية كقضية تحررية وطنية، مع الأخذ بعين الاعتبار المسألتين العربية واليهودية.

ويجدد مؤلف "الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى" طرحه عن دولة جميع المواطنين كمشروع نقيض للدولة اليهودية، مؤكدًا أن دولة حكم محلي ليست حلًا. ويختم بالقول إنه يجب أن تتكثف الجهود لمواجهة الصهيونية على قضيتين، الأرض والمسائل العنصرية، التي تضع النضال في مواجهة مع نظام الفصل العنصري، وأن يقوم بذلك كلٌ من موقعه، مع التنسيق بين ساحات المواجهة المختلفة، وفي ظل ذلك كله، لا بد من بناء المؤسسات الوطنية الفعالة.