تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
20 يونيو, 2026

من «الخطاب السياسي المبتور» إلى مواجهة الفاشية المسيانية

عوض عبدالفتاح

كل يوم يمر يؤكد الحاجة لتفكير أعمق وأكثر استيعابا، ليس فقط لحجم التحديات بالغة الخطورة، بل أيضا لكيفية الإمساك بالفرص التي تولدت عن الحدث الكبير الزلزالي، الذي لا يزال سائلا. وفي ظل هذا الواقع، لا يجوز الافتراض أن هناك خيارا واحدا ووحيدا أمامنا. لكن نظرة عامة إلى المشهد السياسي للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وبخاصة في تجلياته الراهنة، تكشف عن حجم الانسداد والارتهان الذي أطبق على الخطاب والحراك السياسي العام.

لقد انكفأ هذا الحراك في حدود ضيقة اختزلته في مقاربات إجرائية ومناورات حزبية تتمحور بالأساس حول آليات تجميع الأحزاب وترتيب صفوفها في قائمة مشتركة؛ وهي مقاربة قاصرة تُغيّب، قسرا أو عجزا، التجربة السياسية المقاومة في الداخل، وكذلك القراءات الإستراتيجية للمستجدات الزلزالية التي تعصف بالقضية الفلسطينية ككل، وعلى رأسها التداعيات الوجودية لحرب الإبادة المستمرة على قطاع غزة، والحروب العدوانية المتدحرجة التي تطال الإقليم والقوى المقاومة.

في ظل هذا المأزق البنيوي الخانق، يبدو أن الصوت البديل والرؤية النقدية المختلفة يعجزان عن شق طريقهما إلى العلن والتأثير؛ إما نتيجة قصور وعجز لدى من يحاول طرح نفسه بديلا، أو بفعل ضخامة وتهديد الأخطار الماثلة على الأرض، إن لم يكن نتاجا لتضافر هذين العاملين معاً. وفي هذا السياق، تكتسب الملتقيات والمنتديات والندوات والمراجعات الفكرية أهمية استثنائية لتفكيك اللحظة الراهنة ومحاولة الإجابة على سؤال “ما العمل” التاريخي.

ومن تلك الندوة التي نظّمها مركز “مدى الكرمل” مؤخرا لمناقشة كتاب المفكر عزمي بشارة، “الخطاب السياسي المبتور”، وهو مؤلف هام صدر في سياق تاريخي ارتبط بجهود تأسيس حزب سياسي (التجمع الوطني الديمقراطي) يستجيب لمتطلبات “حقبة أوسلو” في أواخر تسعينيات القرن الماضي. لقد هدفت هذه الندوة إلى تفحص راهنية مضمون الكتاب، والانطلاق منه لتفكيك اللحظة الراهنة، واستشراف المآلات القادمة، والأهم من ذلك: الإجابة عن سؤال العمل وما يمكن فعله. وتمثل هذه الندوة نمطا من التفكير بصورة غير تقليدية، وإن كانت محصورة في جزء من النخب الأكاديمية والمثقفة التي قدمت تقييمات تحفز على المساهمة العميقة.

إن النقاش حول مستقبل ومآل الفعل السياسي لفلسطينيي 48 لم يعد نقاشا يدور في أروقة الأكاديميا أو منتديات النخب الفكرية فحسب، بل تحول إلى سؤال وجودي حارق يفرضه الواقع اليومي المتفجر. فبعد عقود طويلة من النضال المدني، والتشبث بالهوية الوطنية، والانخراط في النظام البرلماني للدولة الكولونيالية، يبدو أن النموذج الذي حكم السياسة الفلسطينية داخل الخط الأخضر منذ اتفاقيات أوسلو يمر بأزمة بنيوية خانقة.

أولا: السياق التاريخي ونشأة أطروحة “الخطاب السياسي المبتور”

حين نشر عزمي بشارة كتابه في تسعينيات القرن الماضي، كان يتدخل في لحظة فلسطينية وإسرائيلية شديدة التعقيد. فقد بدا، آنذاك، أن اتفاق أوسلو قد دشّن مرحلة سياسية جديدة، وأن الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة 1948 باتوا مطالبين بإعادة تعريف موقعهم السياسي في واقع لم يعد يشبه العقود السابقة. كان السؤال الكبير والمحوري: من هم الفلسطينيون داخل إسرائيل بعد كل هذه التحولات والانتكاسات؟ هل هم مجرد “أقلية عربية” تبحث عن تحسين شروط مواطنتها؟ أم أنهم جزء عضوي من الشعب الفلسطيني، يحملون خصوصية المواطنة الإسرائيلية، من دون أن يُختزلوا فيها؟

في تلك اللحظة، كان الفلسطينيون قد مروا بتحولات جذرية على المستوى الاجتماعي، الاقتصادي، والثقافي، انعكست على أنماط سلوكهم ونظرتهم لأنفسهم ولعلاقتهم مع الدولة، حيث باتت المواطنة ذات علاقة عضوية مع هذه الدولة، دون أن يكونوا متساوين. وجاء اتفاق أوسلو ليكرس هامشية فلسطينيي الـ48 (إسرائيليا، عربيا، وفلسطينيا) ويستثنيهم من تعريف أنفسهم كفلسطينيين، ومن الحل السياسي الشامل.

ومن هنا جاءت أهمية الكتاب في إطار جهد لتطوير القاعدة النظرية لحزب جديد دعا إلى “دولة المواطنين”، كمدخل لربط النضال المطلبي المدني مع استئناف النضال ضد الصهيونية من داخل مؤسساتها، وبهدف المساهمة في وقف موجة الأسرلة الزاحفة، وحماية الهوية الوطنية لهذا الجزء من شعبنا. لم يكن الكتاب مجرد نقد لغوي – مفاهيمي أو سجال فكري، بل محاولة تأسيسية لإعادة بناء الوعي السياسي بما بتلائم مع تعقيدات الواقع المستجد. فقد انطلق بشارة من فرضية مركزية مفادها أن الخطاب السياسي السائد لدى فلسطينيي الداخل كان مبتورا على ثلاثة مستويات:

– مبتورا عن التاريخ: حين جرى التعامل مع الفلسطينيين في الداخل كأنهم مجرد “عرب إسرائيل” لا امتداد تاريخي أو جغرافي لهم.

– مبتورا عن السياسة: حين اختُزل النضال في المطالب المدنية والخدماتية اليومية من دون مساءلة طبيعة بنية الدولة نفسها.

– مبتورا عن الهوية: حين بدا الفلسطيني وكأنه مطالب بالاختيار القسري بين مواطنة ناقصة وولاء قومي منفي.

ولم يكن هذا الجهد قطيعة مع جهود الماضي أو قوى الحركة الوطنية التي سبقته، بل كان تطويرا نوعيا لتجربتها ولخطابها. وكانت هناك قوى مؤسسة ومشاركة في صياغة هذا الحزب الجديد والمشروع الفكري، مثل الحركة التقدمية، وحركة أبناء البلد، وميثاق المساواة.

شكّل هذا الخطاب نقلة نوعية في تلك اللحظة التاريخية؛ فقد ساهم في صياغة معادلة سياسية ثقافية لموقع ودور الفلسطيني داخل إسرائيل بوصفه فلسطينيا أولا، ومواطنا يحمل حقوقا مدنية وقومية في آن واحد، في ظروف ما بعد أوسلو. والأهم من ذلك، أنه جاء ليرفض تسليم القيادة الفلسطينية المتنفذة بالصهيونية وبيهودية الدولة. فلم يعد الحديث يدور حول “أقلية عربية” تبحث عن الفتات داخل دولة يهودية في سياق مطلب مساواة ملتبس وغير محدد، بل عن جماعة قومية أصلانية تسعى إلى مساواة حقيقية تقوم على مساءلة البنية الإثنية – اليهودية الصهيونية للدولة، من دون التخلي عن روايتها التاريخية أو انتمائها الوطني.

ثانيا: الأثر السياسي والشعبي للخطاب والرد الصهيوني عليه

لم يكن هذا التحول نظريا فحسب, بل امتد، ومن خلال حزب وطني جديد، إلى الحقل السياسي والشعبي؛ حيث لعبت الأفكار التي طرحها بشارة دورا مركزيا في إعادة تشكيل وتعميق الوعي الجماعي لفلسطينيي الداخل خلال التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. وانتقل الخطاب السياسي في الداخل، ولو جزئيا، من لغة الاندماج الحذر أو المطالب الخدماتية الضيقة إلى لغة الحقوق الجماعية والهوية القومية. وتقدّم على نطاق واسع مفهوم “الفلسطينيين في إسرائيل” كبديل عن “عرب إسرائيل”، لا بوصفه تغييرا لغويا فحسب، بل باعتباره إعادة تعريف للذات السياسية، وتطويرا لخطاب التيار الوطني الفلسطيني داخل الخط الأخضر، ممثلا بحركة أبناء البلد والحركة التقدمية الرائدتين في تعميم البعد الفلسطيني في هوية عرب الداخل.

كما ساهمت هذه الرؤية في بلورة مشاريع سياسية وفكرية لاحقة، بدءا من شعار “دولة جميع مواطنيها”، وصولا إلى الوثائق التصورية التي أصدرتها النخب الفلسطينية في الداخل خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي طالبت بإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها الفلسطينيين على أساس المساواة الجماعية والفردية.

لكن قوة هذا الخطاب وجذريته كانت أيضا سببا مباشرا في الخوف الإسرائيلي منه. فإسرائيل الرسمية لم تنظر إلى خطاب بشارة بوصفه مجرد مطالبة بالمساواة، سواء الفردية أو الجماعية، بل بوصفه تحديا للبنية التأسيسية للدولة الصهيونية نفسها. فالمطالبة بالمساواة المدنية، ما دامت لا تمس الطابع اليهودي للدولة، يمكن للمؤسسة الإسرائيلية استيعابها أو إدارتها. أما حين تتحول المسألة إلى مساءلة تعريف الدولة بوصفها دولة تخص جماعة إثنية واحدة وتستثني أصحاب الأرض، فإن الأمر يصبح تهديدا سياسيا وأيديولوجيا وجوديا للمشروع الصهيوني.

لهذا السبب، لم تكن ملاحقة عزمي بشارة لاحقا حادثة معزولة، بل تعبيرا عن حدود الديمقراطية الإسرائيلية نفسها. فقد كشفت إسرائيل، مرة أخرى، أنها قادرة على استيعاب الفلسطيني “الجيد” الذي يطالب بالخدمات والميزانيات، لكنها تصبح أقل تسامحا وتلجأ إلى القمع والملاحقة الأمنية حين يتحول الفلسطيني إلى ذات سياسية تطالب بإعادة تعريف النظام السياسي ذاته، والتواصل مع الأمة العربية وقواها الوطنية والتقدمية.

أما النخب الصهيونية الليبرالية، فقد تعاملت مع هذا الخطاب بمزيج من الإعجاب والرفض. في المرحلة الأولى وقبل أن ينمو حزب التجمع وتتبلور أكثر طروحاته الديمقراطية والقومية، قبلت هذه النخب، في أحسن الأحوال، بفكرة المساواة الفردية الإجرائية: مساواة في الميزانيات، وفرص العمل، والتمثيل المدني. لكنها رفضت رفضا قاطعا المساواة القومية والسياسية؛ إذ كان الفلسطيني مقبولا لديهم بوصفه فردا، لا جماعة قومية صاحبة سردية وحقوق جماعية، وامتدادا لأمة ضاربة جذورها في تاريخ المنطقة. وكان هذا التيار الليبرالي الصهيوني أشد عدوانية تجاه توجهات عزمي بشارة وحزب التجمع من اليمين.

ولذلك، بدا شعار “دولة جميع مواطنيها” بالنسبة لكثير من الليبراليين الإسرائيليين وكأنه خطر وجودي، لا مشروع ديمقراطي تطويري. هنا تكمن المفارقة الأساسية: فإسرائيل التي كانت تقدم نفسها باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، كانت مستعدة لقبول الديمقراطية ما دامت لا تمس الامتياز الإثني اليهودي. أما المساواة التي تعني إعادة تعريف السيادة ذاتها، فقد اعتُبرت تجاوزا للخطوط الحمراء التي تستوجب التعبئة الصهيونية المضادة.

ثالثا: تفكيك المعيقات البنيوية واحتجاز التطور الذاتي للفلسطينيين

تأسست السياسة الفلسطينية في الداخل، بغالبية تياراتها، على افتراض ضمني مفاده أن ثمة إمكانية، ولو ضئيلة، لتوسيع هامش المواطنة، وانتزاع حقوق مدنية متراكمة، واستغلال الأدوات الديمقراطية المتاحة للتأثير التدريجي في سياسات الدولة. تفترض نظريات التغيير الاجتماعي الكلاسيكية والحديثة أن التحولات البنيوية في المجتمعات تحدث نتيجة لتراكم الفعل الجماعي، ونمو الوعي الذاتي، وتطور القوى الاقتصادية والثقافية المحركة للتغيير من أسفل إلى أعلى.

ومع ذلك، حين تُطبق هذه النظرية على واقع الفلسطينيين داخل إسرائيل، فإنها تصطدم ببنية مغايرة تماما؛ بنية استعمار استيطاني إحلالي لم تُصمم أصلا لاستيعاب التغيير الاجتماعي المنبثق من السكان الأصليين، بل صُممت خصيصا لتوجيهه، احتوائه، تفكيكه، أو قمعه. التغيير الاجتماعي في هذا السياق لا يسير بمسار طبيعي؛ إذ إن الفاعل الجماعي الفلسطيني يجد نفسه محاصرا بين ديناميكيتين متناقضتين: ديناميكية التطور الذاتي والمحافظة على الهوية، وديناميكية الضبط والسيطرة الشاملة التي تمارسها الدولة.

بناء على ذلك، يصبح التغيير الاجتماعي في الداخل فعلا سياسيا بالضرورة، يرتبط ارتباطا عضوياً بمدى قدرة المجتمع على توليد إستراتيجيات صمود تتجاوز المعيقات المفروضة عليه من الأعلى. وتعمل هذه المعيقات البنيوية كأدوات ممنهجة لاحتجاز التطور الذاتي للمجتمع وتدجينه، وتتمثل في 3 وقائع أساسية:

1. فخ المواطنة والخضوع للقانون الإسرائيلي

تُعرّف المواطنة الممنوحة لفلسطينيي 48 في الفكر الصهيوني الاستعماري بأنها مواطنة “إجرائية” وليست “جوهرية”. إنها مواطنة منزوعة السيادة والمضمون، مشروطة بحدود السقف الأيديولوجي للدولة المتمثل في صهيونية الدولة. هذا الخضوع للقانون، الذي تجسد تشريعيا ودستوريا في “قانون القومية” الاستعماري، يجرّد المواطنة من قيمتها التحررية أو المساواتية، ويحولها إلى أداة ضبط قانوني وأمني تُقيد العمل الجماعي وتجرم العمل الوطني الإستراتيجي، مستخدمة القانون نفسه كأداة شرعية للتمييز والإقصاء.

2. التبعية الاقتصادية الممنهجة

عقب نكبة عام 1948، جرى تفكيك البنية الاقتصادية المستقلة للمجتمع الفلسطيني بشكل مدروس عبر مصادرة الأراضي الشاملة وتحويل المجتمع من مجتمع زراعي منتج يمتلك مقومات بقائه، إلى عمالة أجيرة غير ماهرة في السوق الإسرائيلي. هذه “التبعية الاقتصادية” خلقت حالة من الارتباط القسري والمعيشي بمؤسسات الدولة وميزانياتها ووظائفها، مما يضع قيودا هائلة على قدرة المجتمع على بناء استقلال مادي واقتصادي يمكنه من تغذية استقلاله السياسي ومواقفه الوطنية.

3. آليات تفتيت الجماعة القومية

إن النتيجة الحتمية للمواطنة المشوهة والتبعية الاقتصادية هي منع المجتمع الفلسطيني من إتمام تطوره الطبيعي ككتلة قومية متكاملة. يتم ذلك عبر سياسات الهندسة الاجتماعية، وتفتيت الهوية الحضرية، وتغذية العصبيات العائلية والطائفية والحزبية الضيقة، وتغييب التخطيط الهيكلي للمدن والقرى العربية، مما يترك المجتمع مستنزفا ومسحوقا في معارك البقاء اليومي والخدماتي وتحصيل لقمة العيش، على حساب التطوير الإستراتيجي والسياسي المتراكم.

رابعا: المستجدات على المشروع الصهيوني: الانزياح نحو الفاشية المسيانية

إن المعيقات البنيوية السابقة لم تعد تعمل اليوم ضمن منظومة “الديمقراطية الإثنية” التقليدية التي حاولت إسرائيل تسويقها لعقود؛ بل إننا نشهد تحولا كيفياً وراديكاليا في طبيعة المشروع الصهيوني وكيانه السياسي، يتسم بثلاث سمات تحولية خطيرة:

1. الانزياح إلى اليمين الفاشي والمسياني

لم يعد الحكم في إسرائيل حكرا على اليمين الليبرالي أو حتى اليمين المحافظ التقليدي؛ بل انتقل الثقل الإستراتيجي والسياسي إلى اليمين الفاشي الصريح والديني المسياني. هذا تيار لا يرى في الدولة مجرد أداة سياسية أو قومية لحماية اليهود، بل يراها أداة ميتافيزيقية لتحقيق “الخلاص الديني” وبناء “إسرائيل الكبرى”. في هذه المنظومة الجديدة، تسقط كل الاعتبارات الديمقراطية الشكلية، وتصبح المرجعية الوحيدة الحاكمة هي يهودية الدولة ببعدها المتطرف والخلاصي.

2. الإعلان السافر عن نية التخلص من الفلسطينيين (فيزيائيا وسياسيا)

انتقلت النخب الحاكمة في إسرائيل ومجتمعها من مرحلة “إدارة الصراع” أو “الاحتواء الماكر” إلى مرحلة الحسم الصريح والسافر. هذا الحسم يتضمن نية معلنة للتخلص من الفلسطينيين عبر مسارين:

– التخلص الجسدي (الإبادي): كما تترجمه السياسات التدميرية وحرب الإبادة المجنونة في قطاع غزة، وسياسات القتل والتهجير الصامت في الضفة الغربية والقدس، والتطهير العرقي المستمر في النقب.

– التخلص السياسي (الإقصاء التام): ويستهدف فلسطينيي الداخل بالأساس، عبر نزع الشرعية السياسية عنهم، وتحويل وجودهم إلى مجرد قضية ديموغرافية أو أمنية يجب ضبطها بالحديد والنار، وإلغاء أي أفق للمساواة المدنية أو الاعتراف بالحقوق الجماعية.

3. انحسار الهامش الديمقراطي والأدوات البرلمانية

إن الفرص الشحيحة والضيقة التي كانت متاحة أمام فلسطينيي الداخل، مثل استغلال الهامش الديمقراطي، واللجوء إلى المحكمة العليا، والعمل البرلماني لإعاقة القوانين العنصرية أو انتزاع الميزانيات، قد انحسرت بصورة شبه كاملة. من يحكم إسرائيل اليوم، وبدعم من قطاعات شعبية واسعة، لم تعد تهمه الديمقراطية الغربية أو صورته أمام المجتمع الدولي؛ بل تهمه الفعالية الاستعمارية وتثبيت التفوق الإثني اليهودي المطلق. وبالتالي، تحول البرلمان (الكنيست) من منصة للمواجهة والمرافعة إلى ساحة لنزع الحصانة، وتمرير القوانين الفاشية، ومحاكمة الوعي الوطني الفلسطيني.

خامسا: الانقسام السياسي: الاندماج البراغماتي مقابل الخطاب القومي التقليدي

في ظل هذه التحولات العاصفة، يواجه الفلسطينيون في إسرائيل الانقسام السياسي والفكري الأكثر خطورة منذ عام 1948 حول ماهية الأفق السياسي الممكن، وما إذا كان علينا مواصلة الاستثمار في الأدوات التقليدية أم مغادرة المربع بالكامل. وينقسم المشهد هنا إلى أطروحتين رئيسيتين تعانيان من مآزق حادة:

1. أطروحة الاندماج والبراغماتية السياسية (نهج الحركة الإسلامية – الجنوبية – ومنصور عباس)

برز خلال السنوات الأخيرة اتجاه سياسي يرى أن الفلسطينيين في الداخل لا يملكون ترف الصراع التاريخي المفتوح، وأن مطلوبات اللحظة تقتضي “تعظيم المكاسب اليومية والمادية” من داخل النظام القائم. وقد بلغ هذا التصور ذروته مع تجربة المشاركة في النظام الصهيوني المرتبطة بخطاب منصور عباس والحركة الإسلامية – الجنوبية -، والتي قدمت نفسها بوصفها انتقالا من «سياسة الشعارات» إلى «سياسة التأثير» والبراغماتية.

يمثل هذا الخطاب، في جوهره، عودة إلى السياسة المطلبية والخدماتية، حيث يُعاد تعريف الفلسطيني داخل الخط الأخضر باعتباره جماعة مواطنين تبحث عن تحسين شروط حياتها اليومية، دون مساءلة البنية السياسية العميقة للنظام. صحيح أن هذا الخطاب يجد صداه في واقع مأزوم يتسم بالعنف الداخلي، والجريمة المنظمة، وأزمة السكن، الفقر، والتعب السياسي العميق، وأن قطاعات واسعة تبحث عن حلول ملموسة لا شعارات كبرى. غير أن التشريح النقدي والتحليلي لهذه التجربة يكشف أنها لم تكن براغماتية منتجة، بل كانت خطوة نحو التكيف والاستدخال الواعي للهزيمة.

إن هذا التصور يمثل سلوكا انحرافيا، غير وطني وغير أخلاقي؛ لأنه يقوم على الدخول في شراكات حكومية وائتلافية مع قوى صهيونية يمينية إبادية، لا تختلف مع الائتلاف الحاكم سوى على سمعة إسرائيل وعلى كيفية إدارة حرب الإبادة بأقل تكلفة وبنجاعة أكثر. تكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يعيد إنتاج “الخطاب المبتور” بصيغة جديدة: فلسطيني بلا تاريخ سياسي، بلا سؤال جماعي، وبلا أفق تحرري، يتحول تدريجيا إلى “جماعة احتياجات” تدير علاقتها مع السلطة من خلال المساومة اليومية.

إن اختزال السياسة في الخدمات يحمل خطرا عميقا؛ فالمجتمعات التي تتوقف عن طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والسيادة والحقوق الجماعية، تصبح أكثر قابلية للتدجين السياسي. يتحول الفلسطيني هنا إلى سجين يفاوض على تحسين شروط العيش داخل زنزانة استعمارية لا يملك القدرة على تغيير قضبانها.

2. مأزق الخطاب القومي التقليدي

في المقابل، لا يكفي رفض أطروحة الاندماج أو البراغماتية السياسية لإنتاج بديل حقيقي وقابل للحياة. فجزء كبير من الخطاب الوطني القومي التقليدي، بأيديولوجياته المتنوعة في الداخل، وقع هو الآخر في مأزق موازٍ وغير منتج: لغة وشعارات عالية السقف، لكن بأدوات شحيحة ومحدودة على الأرض؛ شعارات تحررية كبرى من دون امتلاك إستراتيجيات فعل ملموسة وممكنة؛ وربط وجداني وعاطفي دائم بالقضية الفلسطينية من دون القدرة على ترجمته إلى مشروع سياسي ومؤسساتي منظم ومستدام يتقدم الجماهير.

لذا، فإن النقد الجدي والمسؤول للمشهد السياسي في الداخل يجب أن يكون مزدوجا وصارما: نقد وهم الاندماج والتكيف الكامل، ونقد الخطاب الوطني التقليدي غير المنتج سياسيا وعمليا.

سادسًا: مراجعة الخيارات الكبرى في واقع “الدولة الواحدة” الكولونيالية

بعد أكثر من ربع قرن على طرح كتاب بشارة، تبدو الحاجة إلى مراجعة وتطوير هذا الخطاب، الذي يظل مرجعا هاما، واضحة وملحة، وهو ما يقر به المؤلف نفسه في المقدمة الجديدة للكتاب. فحين كُتِب “الخطاب السياسي المبتور”، كانت فرضية الفصل بين إسرائيل داخل حدود 1948 والاحتلال في حدود 1967 لا تزال قائمة، ولو نظريا. أما اليوم، فقد تغير الواقع جذريا؛ إذ باتت إسرائيل تبسط سيطرة فعلية وقانونية على كامل فلسطين التاريخية بين البحر والنهر، وتحتكر السيادة والأمن والحدود والموارد. ومع إقرار “قانون القومية”، جرى دسترة فكرة أن حق تقرير المصير في البلاد هو حق حصري لليهود وحدهم.

ومنذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ظهرت إسرائيل بوجهها الحقيقي السافر: دولة كولونيالية استيطانية، إبادية، لا تسعى إلى التعايش مع أصحاب الأرض الأصليين، إنما إلى إبادتهم أو طردهم، وهو الأساس الجوهري الذي قامت عليه تاريخيا. لم يعد الفلسطيني داخل إسرائيل يعيش فقط أزمة “أقلية قومية” داخل دولة تمييزية، بل أصبح جزءا من فضاء سياسي وجغرافي واحد تحكمه سلطة استعمارية واحدة، تقوم على تراتبية قانونية وإثنية واضحة. وهنا، عادت بقوة مفاهيم مثل “الاستعمار الاستيطاني” و”الأبرتهايد” لتفسير الحالة الإسرائيلية – الفلسطينية، بعد أن بدا لسنوات أن خطاب “عملية السلام” والتسوية وحل الدولتين قد همّشها وحيّدها.

في هذا السياق، يعيش الفلسطيني داخل نظام يمنحه أدوات حياة وحقوقا جزئية مشروطة، لكنه يبقيه خاضعا لبنية سيادة استعمارية ترى فيه تهديدا ديمغرافيا وسياسيا دائما. هذا تحول يفرض مراجعة ضرورية؛ فالسؤال لم يعد: كيف نحصل على مساواة داخل دولة يهودية؟ بل أصبح: كيف نتعامل مع واقع دولة واحدة كولونيالية بين البحر والنهر، تحتكر حق تقرير المصير لمجموعة إثنية واحدة؟ هنا، لا يعود كافيا الاكتفاء بخطاب المساواة المدنية التقليدي، ولا الاكتفاء بالشعارات الأخلاقية المجردة حول الدولة الديمقراطية الواحدة. المطلوب هو تطوير خطاب سياسي جديد، غير مبتور، يستوعب التحولات الكبرى في طبيعة النظام.

ولفهم الخيارات المتاحة أمام الفلسطينيين في الداخل بدقة، وتفكيك مأزق هذه الخيارات الكبرى من حيث الواقعية والجدوى والتكلفة، يمكن رصد مسارين أساسيين يفرض كل منهما تحديات إستراتيجية مغايرة:

يتلخص الخيار الأول في مواصلة العمل من داخل المنظومة الإسرائيلية وتطويره، وترتكز آلياته على تطوير الأدوات البرلمانية والمدنية، والتركيز على صمود الوجود اليومي، بالإضافة إلى استغلال الثغرات المتاحة في المنظومة القانونية. يمتلك هذا الخيار واقعية “معيشية” مباشرة، تظهر في التعامل اليومي مع المحاكم والبلديات. ومع ذلك، فإن جدواه الإستراتيجية تقارب الصفر في ظل هيمنة الفاشية الحالية. وتتمثل التكلفة المتوقعة لهذا المسار في الاستنزاف البطيء والتكيف التدريجي مع أدوات القمع، والتراجع المستمر عن السقوف السياسية، ما يؤدي في النهاية إلى تصفية القضية.

في المقابل، يبرز الخيار الثاني المتمثل في الانخراط في المحاصرة والمقاطعة الدولية، من دون الاشتباك مع الواقع المعقد، القانوني والسياسي والمعيشي للناس، حيث ترتكز آلياته على مقاطعة المنظومة ومحاصرتها دوليا، والالتحام بالحركة الفلسطينية العامة (مثل حركة BDS) والسعي نحو نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن نظام الأبرتهايد. يحقق هذا المسار جدوى إستراتيجية عالية لكونه يرفع كلفة الاستعمار، إلا أن واقعيته تبدو صعبة ومعقدة نظرا لوجود المجتمع الفلسطيني تحت القبضة الأمنية الإسرائيلية المباشرة. وقد تكون التكلفة المتوقعة هنا باهظة جدا؛ إذ إنها قد تدفع نحو قمع أمني شرس، وحظر الأحزاب السياسية، فرض عقوبات اقتصادية جماعية تؤدي إلى الإفقار الممنهج، فضلاً عن سن تشريعات تهدف إلى سحب المواطنة والتهجير القسري (الترانسفير).

وبناءً على هذا التحليل، يبرز السؤال الحرج: هل يستطيع الفلسطينيون في الداخل تحمل تكلفة الخيار الثاني؟

الإجابة الصادقة والواقعية هي: بوضعهم المؤسساتي والسياسي والتفككي الحالي، لا يستطيعون تحمل هذه التكلفة الباهظة. إن مجتمعا يعاني من تفشي الجريمة المنظمة المستنزفة لطاقاته، ويعيش حالة تفكك حزبي ومؤسساتي، وتبعية اقتصادية كاملة لشريان الحياة الإسرائيلي، لا يمكنه خوض معركة مواجهة ومقاطعة شاملة من الداخل من دون أن يتعرض لخطر التدمير الذاتي وتصفية الوجود السياسي. ولكن، لفائدة أنفسهم ولفائدة كل الشعب الفلسطيني، لا يمكنهم أيضا البقاء في مربع الخيار الأول (أي خيار الاندماج والتكيف والانتظار). وهنا يجب فحص خيار الثالث.

سابعًا – الطريق الثالث: إستراتيجيات الصمود وبناء “الخطاب غير المبتور”

من هنا تبرز الحاجة التاريخية لصياغة “المشروع الثالث” أو “الطريق الثالث” الذي يحدد شروط الفعل التحرري الممكن وآفاقه. إن المهمة التاريخية لفلسطينيي 48 اليوم لا تكمن في الاختيار بين ذوبان وتكيف انتحاري داخل الدولة الفاشية، ولا في قفزة غير محسوبة نحو خطاب رمزي شعاراتي عاجز عن حماية الناس؛ بل في إنتاج طريق ثالث يقوم على جدلية واعية تجمع بين حماية الوجود اليومي والمادي، وبين المساهمة الذكية في مشروع التحرر الفلسطيني العام.

هذا الطريق يعيد صياغة نظرية التغيير الاجتماعي عبر الانتقال من حالة “احتجاز التطور” إلى حالة الفاعل التحرري الممكن، وذلك عبر تلبية شروط تراكُمية أساسية لا بد من بنائها كبنية تحتية من خلال عدة مسارات استراتيجية:

1. إعادة بناء التمثيل السياسي والنجاعة المؤسساتية

إن الأزمة الحالية تجاوزت الأحزاب لتصبح أزمة مرجعية جماعية وشعبية. الحاجة ملحة ومصيرية لإعادة بناء وتطوير إطار تمثيلي وطني جامع، مثل لجنة المتابعة العليا، وتطوير آليات انتخابها المباشر من الشعب (مع الأخذ بعين الاعتبار اختيار اللحظة المناسبة)، لتمتلك شرعية شعبية حقيقية وقدرة إستراتيجية تتجاوز المنافسات الحزبية والأيديولوجية الضيقة والمصالح الانتخابية العابرة.

2. إعادة بناء المجتمع المنظم و”العصامي” (الاقتصادي والاجتماعي)

مع أن هذا المسار الهام، الذي تبنته تاريخيا الحركة الإسلامية – الشمالية، قد تعثر لأسباب قمعية وذاتية، وأيضا لأنه اقتصر على تيار سياسي واحد، إلا أنه لا يمكن من دونه إحداث تغيير اجتماعي أو سياسي حقيقي. فلا يمكن تحمل كلفة أي مواجهة إستراتيجية بلا مجتمع منظم ومتماسك.

وهذا يقتضي إحياء وتنظيم الأدوات الوسيطة والمؤسسات الأهلية: اللجان الشعبية في البلدات، الأطر المهنية، النقابات المستقلة، المؤسسات الثقافية، والهيئات البحثية والتخطيطية، وضخ دماء قيادية شبابية جديدة قادرة على الابتكار والتحمل. كما يتطلب البدء في التفكير في تطوير مشاريع “اقتصاد صمود” يخفف تدريجيا وبشكل تراكمي من التبعية الاقتصادية المطلقة للسوق الإسرائيلي.

3. مواجهة الجريمة المنظمة بوصفها معركة وطنية مصيرية

إن تفشي العنف والجريمة المنظمة في الداخل ليس شأنا أمنيا أو جنائيا مجردا، بل هو أداة بنيوية ترعاها وتغذيها أجهزة الدولة الاستعمارية لتفكيك النسيج الاجتماعي واستنزاف المجتمع داخليا لمنعه من التطور والوحدة الوطنية. بالتالي، فإن محاربة الجريمة وفوضى السلاح وتأمين السلم الأهلي هي شرط سياسي ووطني أولي لتحرير المجال الجماعي من الخوف والتفتت، وبناء مجتمع قادر على الصمود وتحمل كلفة المواقف السياسية الكبرى. إن تشكيل لجان الصلح خطوة هامة وجريئة، ولكنها نظرا لكل العوائق المذكورة تظل عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي في جدار الجريمة، وبالتالي تحتاج إلى تطوير ودعم وإسناد مؤسساتي شعبي عريض، وذلك في اطار مشروع تصوغه وتتبناه الهيئات التمثيلية القطرية، واطر المجتمع المدني كافة.

4. إنتاج معرفة وفكر إستراتيجي جديد

تبرز هنا الأهمية القصوى للمساهمات الفكرية والبحثية لربط النظرية بالواقع، والتي تحاول قراءة موقع الفلسطينيين خارج الثنائيات العقيمة (إما الاندماج الصهيوني الكامل أو الانفصال المستحيل). الحاجة اليوم هي للانتقال من الخطاب الاحتجاجي الانفعالي والعفوي إلى الفكر الإستراتيجي التراكمي المخطط له.

منذ أواخر التسعينيات، ظهرت اجتهادات فكرية سياسية من قبل أكاديميين ومثقفين فلسطينيين من داخل الخط الأخضر، تفكك البنية اليهودية للدولة كبنية عنصرية وكنظام أبرتهايد، وأخرى تفكك إسرائيل ككيان كولونيالي. وبات عدد لا بأس منهم يشارك في أطر فلسطينية أكاديمية وثقافية عابرة للتجزئة، تمهد لمسار وطني تحرري شامل، يربط بين خصوصيات كل التجمعات الفلسطينية في خانة وطنية واحدة.

ثامنًا: تعميق تناقضات المشروع الصهيوني والآفاق الإقليمية والدولية

كيف يمكن لفلسطينيي 48 المساهمة في تعميق أزمة المشروع الصهيوني وتعميق تناقضاته البنيوية، في ضوء انقسامه الداخلي، وانحدار مكانته عالميا بسبب حرب الإبادة؟ إن وجود فلسطينيي 48 ككتلة قومية حية، صامدة، منظمة، وواعية داخل الحدود الدستورية والجغرافية لإسرائيل يمثل التناقض الأكبر والأخطر للأيديولوجيا الصهيونية ومسعاها نحو النقاء الإثني. ومع ذلك، فإن هذا المجتمع، كبقية تجمعات الشعب الفلسطيني، تنتظره سنوات طويلة من القمع والتهديد والتضييق، قبل دخول نظام الإبادة والاستعمار إلى طور قادم من الانحلال والضعف والعزلة الخارجية.

في هذه الفترة الحرجة، ومن خلال الجمع الذكي والملتحم بين التمسك بالحقوق المدنية واليومية وبين الحفاظ الصارم على الهوية الجماعية والالتحام المعرفي والسياسي مع القضية الفلسطينية، يمكن تحويل هذا الوجود إلى قوة سياسية وأخلاقية تساهم في فضح التناقض البنيوي القاتل للدولة بين ادعائها الديمقراطي وجوهرها الإثني الفاشي.

إن دور فلسطينيي الداخل في “تأزيم المشروع” لا يتطلب بالضرورة قفزة غير محسوبة نحو مواجهة عنيفة غير متكافئة يسعى إليها اليمين المسياني لشرعنة الطرد والتطهير العرقي؛ بل يتم عبر ثلاثة محاور فعلية:

1. الصمود والممانعة الجماهيرية: إفشال مخططات التهويد ومصادرة ما تبقى من أرض في النقب والمثلث والجليل.

2. نزع الشرعية الأخلاقية: تحويل المواطنة إلى أداة مرافعة دولية تكشف وتفضح نظام الأبرتهايد والفصل العنصري أمام المؤسسات العالمية وتحالفات العدالة الدولية، وهو جهد تقوم به مؤسسات قانونية منذ عقود، وقد حان تطويره.

3. تأزيم التناقض الداخلي الإسرائيلي: جعل تكلفة السيطرة على مجتمع فلسطيني منظم ومنتفض مدنيا من الداخل تكلفة باهظة سياسيا، اقتصاديا وأخلاقيا.

ولا ينفصل هذا الحراك عن قراءة التحولات الإقليمية والدولية الحاصلة؛ حيث تعيش الإمبراطورية الأميركية (الداعم الأساسي لإسرائيل) حالة تراجع ملموسة، وتتحول إسرائيل تدريجيا إلى عبء إستراتيجي على الإمبراطورية وحلفائها، وعلى يهود العالم. يضاف إلى ذلك بدايات تبلور وعي عالمي بعالمية القضية الفلسطينية كقضية عدالة، إضافة إلى يقظة دول الإقليم، لا سيما دول الخليج، على عجز أو تراخي الإمبراطورية عن حماية هذه الدول، وإدراكها المتزايد بأن إسرائيل وبنيتها الفاشية التوسعية هي الخطر الحقيقي الأكبر عليهم في المنطقة، وليس إيران. هذه التطورات الهامة وغير المسبوقة يجب أخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لإسترتيجيات النضال والتغيير.

خلاصة: صراع الشرعية والعدالة التاريخية نحو المستقبل

إن الأنظمة الاستعمارية القائمة على الأيديولوجيات الإقصائية والمسيانية الفاشية لا تنهار طوعا، ولا تتراجع بتقديم تنازلات وخطاب براغماتي مستسلم من قبل الضحايا؛ بل تتآكل وتتأزم حين تفقد شرعيتها الأخلاقية والدولية، وحين تتفاقم تناقضاتها الداخلية بفعل صمود، تنظيم، ومقاومة القوى الخاضعة لها.

إن مصلحة فلسطينيي الداخل، وفائدة عموم الشعب الفلسطيني، تقتضي الانعتاق التام من وهم “التأثير من داخل البنية الفاشية الصهيونية”، والبدء الفوري في بناء معادلة مركبة: سياسة حماية وصمود في المدى القريب، وأفق ديمقراطي تحرري في المدى البعيد. سياسة تحافظ على المجتمع، تدافع عن مؤسساته وحيزه المدني، وتواجه التفكيك الداخلي والجريمة، دون أن تتخلى عن السؤال المركزي: أي مستقبل سياسي نريد بين البحر والنهر؟

فإذا كانت إسرائيل قد حسمت، عمليا وقانونيا، خيارها نحو السيادة الواحدة والامتياز الإثني الفاشي، فإن الرد الفلسطيني لا يمكن أن يبقى أسير مفاهيم مرحلة سابقة. لقد فكك “الخطاب السياسي المبتور” البنية الاجتماعية والسياسية للفلسطينيين بصورة عميقة في حينه، وعزز علاقتهم بتاريخهم وهويتهم الوطنية، وطرح طريقا ومعادلة قوية لمواجهة واقعهم المركب.

أما التحدي الجديد، فهو بناء “خطاب سياسي غير مبتور” يعيد الخطاب الفلسطيني نفسه إلى المستقبل: مستقبل لا يفصل بين النجاة والتحرر، ولا بين المواطنة والعدالة التاريخية. إنه خطاب يستوعب أن الفلسطينيين، أينما كانوا بين البحر والنهر، يعيشون داخل فضاء سياسي واحد وإن تفاوتت أشكال السيطرة والقمع المسلطة عليهم.

إنها معركة طويلة النفس تتكامل فيها أدوار كل أجزاء الشعب الفلسطيني في مواجهة مشروع استعماري يعيش أوج توحشه الفاشي وبدايات مأزقه التاريخي البنيوي. وهي معركة لا تبدأ من فراغ؛ فلدى فلسطينيي 48 تجربة سياسية ونضالية غنية وعميقة امتدت لعقود، ويمتلكون طاقات وكفاءات وإنجازات مشهودة في الميادين العلمية، والسياسية، والثقافية، والحزبية. إن هذا الرصيد التراكمي الهائل والزخم المعرفي والمنظم ليس مجرد شواهد على البقاء، بل هو حجر الأساس والقاعدة الصلبة التي يمكن – بل يجب – البناء عليها اليوم لإعادة تنظيم صفوفهم، وتجديد أدواتهم، وتوليد نخب شابة تقود المرحلة، للانفتاح على أفق ديمقراطي يتجاوز بنية التجزئة نحو دولة مواطنة كاملة وعادلة لكل من يعيش على هذه الأرض.


عوض عبدالفتاح
10 يونيو 2026
المصدر: الملتقى الفلسطيني