تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
25 سبتمبر, 2025

مسألة الدولة عند عزمي بشارة

كتاب الدكتور عزمي بشارة مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (بيروت/الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2021) هو عمل نظري ضخم يندرج في إطار مشروع بشارة الأوسع لفهم الدولة والحداثة والسياسة العربية، في إطار منهجي عابر للاختصاصات، تتشابك فيه مقاربات العلوم الاجتماعية والإنسانية من تاريخ وتاريخ فكر وفكر نظري وفلسفة واجتماع  ومؤسسيات وبنىً اجتماعية تاريخية.. إلخ. ويمثل في المكتبة العربية أول استنئاف علمي لبحث مسألة الدولة ونظريتها، بعد الأعمال العديدة التي أنتجتها المكتبة العربية، وفي مقدمتها أعمال العروي ونزيه الأيوبي وغيرهما. يقع الكتاب على 456 صفحة، ويتكون من أحد عشر فصلاً نظرياً.

 

موضوع الكتاب

يبحث في مفهوم الدولة من حيث نشأتها الفلسفية والنظرية في الفكر الغربي، منذ العصور القديمة حتى الحداثة، والسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي رافقت تشكل الدولة الحديثة. الإشكالية الأساسية التي يحاول بشارة مقاربتها هي: ما الدولة؟ وهل يمكن أن يكون هناك تعريف جامع مانع لها؟ كيف تطورت فكرة الدولة في الفكر السياسي الغربي (من أرسطو حتى هيغل وماكس فيبر وهوبز وروسو...)؟ هل الدولة كيان سياسي محايد يمثل الإرادة العامة، أم إنها أداة هيمنة طبقية/بيروقراطية/إمبريالية؟ كيف يمكن استيعاب الدولة الحديثة في السياقات غير الأوروبية (خصوصاً العربية)، حيث نشأت الدولة في ظروف مختلفة: الاستعمار، بناء الدولة القُطرية، غياب العقد الاجتماعي الديموقراطي؟

 

إشكالية الدولة وأحادية الخطاب

الدولة وفق بشارة، ليست مجرد جهاز سياسي أو قانوني؛ بل هي إطار مؤسساتي تاريخي متغير، يعكس توازنات القوى وصراعات المصالح في المجتمع، وبالتالي لا يمكن فهم الدولة إلا عبر الربط بين النظرية الفلسفية (تصورات الفلاسفة والمفكرين) والسياقات التاريخية والاجتماعية التي نشأت فيها. فمثلاً في السياق العربي، تكمن الإشكالية في أن الدولة لم تنشأ بوصفها نتيجة طبيعية لعقد اجتماعي أو سيرورة حداثة داخلية؛ بل جاءت غالباً مفروضة من الخارج (الاستعمار)، أو عبر نخب سلطوية، مما جعلها تعاني أزمة شرعية، لذلك منهجيًّا، يدمج بشارة بين الفلسفة السياسية، النظرية السياسية، علم الاجتماع، القانون، والتاريخ، ليعطي للتفسير زخماً أكبر، وليبتعد عن التفسيرات الأحادية التي تعطي السيادة لمعطىً محدد، وبهذا الشكل يقوم على نقد كل أطروحة من النظريات الكبرى.

 

حبكة الكتاب

تدور حول السيادة والمواطنة بوصفهما دعامة مركزية في الكتاب، وهنا جدّة طرح المواطنة والسيادة بما هما وحدات تحليلية متكاملة؛ بشارة يرى أن السيادة لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن المواطنة، وأن المواطنة ليست فقط الحقوق؛ بل العضوية الفعلية في كيان الدولة، إضافة إلى مفهوم الشرعية: كيف تستمد الدولة شرعيتها (فلسفيًّا ونظريًّا)؛ من القوانين، العقد الاجتماعي، الأخلاق العمومية، المؤسسات، القبول الشعبي، فهناك دائماً التوتر بين المفهوم والواقع: الدولة كما تُنظَّر مفاهيميًّا مقابل الدولة كما تُمارس في الواقع، في السياقات المجتمعية. التاريخ والنشوء: كيف قام تصور الدولة في الفكر الغربي، ثم كيف توَّرَد في السياقات الغير الغربية، مع خصوصيات مثل الاستعمار، بناء الدولة الوطنية، العولمة، وما بعد الدولة.

 

الكتاب هو دراسة فلسفية-نظرية للدولة، تحاول أن تجمع بين الفلسفة السياسية (أفكار المعيارية عن العدالة والشرعية) والنظرية السياسية (تحليل الواقع) وعلم الاجتماع السياسي (التفسير التاريخي والمؤسساتي). من هنا نرى كيف ينطلق بشارة من سؤال: ما الدولة؟ وكيف يمكن أن نؤسس مفهومًا علميًا لها، من دون السقوط في التعميمات الاختزالية (كتفسيرها بالقوة والعنف فقط، أو بالعقد الاجتماعي فقط، على الطريقة المثالية أو المركبات الذهنية). مفاهيمياً: يستعرض التعريفات الكلاسيكية والحديثة للدولة، ويقارنها (هوبز، روسو، هيغل، ماركس، فيبر، شميت...).

 

النظرية والسياق

يناقش الكتاب نشأة الدولة الأوروبية الحديثة من رحم الإمبراطوريات، وتحوّلها إلى الدولة-الأمة. المواطنة: يرى أن الدولة الحديثة لا تُفهم إلا بالمواطنة، باعتبارها رابطة عضوية تجمع الحكّام والمحكومين. السيادة: يناقش تطور فكرة السيادة المطلقة، وحدودها في ظل العولمة والمؤسسات فوق-الدولية. وهنا نكون أمام الإشكالية: الدولة ليست كيانًا ثابتًا يمكن تعريفه مرة واحدة؛ بل هي بناء تاريخي-مؤسساتي متغير. كيف يمكن نقل مفهوم الدولة الحديثة (كما نشأ في أوروبا) إلى سياقات أخرى؟ وهذا يحيلنا بطبيعة الحال إلى سؤال في الحالة العربية: لماذا تعاني الدولة من أزمة شرعية مستمرة؟ وكيف يمكن بناء دولة ديمقراطية حديثة؟ ولماذا في كل مرة من سقوط سلطة حكم، يصار إلى حروب واقتتال أهلي؟ وهنا لا يمكن أن لا نستحضر ابن خلدون ومفهوم العصبية، بوصفها نظرية كاشفة ومفسرة ربما أكثر من تلك النظريات للسياق العربي !

 

المساهمة النظرية

الكتاب هو إعادة تركيب لمفهوم الدولة، عبر الجمع بين أدوات الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، والاهم أنه جاء  لتفكيك الاختزالات، عبر رفض التفسيرات الأحادية (الدولة = جهاز قمع، أو الدولة = تجسيد الإرادة العامة فقط) ويبرز تعدد أبعادها، بإدماج المواطنة، ولهذا يشير إلى أن المواطنة جزء لا يتجزأ من تعريف الدولة الحديثة، وليست مجرد "ملحق" حقوقي. لهذا يضعنا أمام الواقع العربي المأزومـ من أجل فتح أفق لفهم أزمة الدولة العربية، عبر مقاربة نظرية عميقة، بدلاً من الاقتصار على التحليل السياسي السطحي. الكتاب يميل إلى الطابع النظري أكثر من الطابع التحليلي المركز، مما قد يُثقل القارئ، لكن أهميته أنه صاغها بلغة عربية أكاديمية ممنهجة، العرض الفلسفي مطوّل على حساب التطبيق المباشر على الحالة العربية، وهو ما يفتح له ويمهد إلى الفهم على نحوٍ أعمق بعد عملية التمهيد النظري، كأدوات للفهم من أجل إغناء النقاش السياسي العربي، بالعودة إلى الأسس الفلسفية والتاريخية لمفهوم الدولة.

 

الفرضيات الرئيسة

الدولة بناء تاريخي نشأ في ظروف محددة (أوروبا الحديثة)، وليست كيانًا أزليًا أو فطريًا، المجتمعات البشرية عرفت أنماط حكم وتنظيم مختلفة (إمبراطوريات، مدن حرة، قبائل) قبل أن تتبلور الدولة الحديثة. ففي كتابه "مجتمع اللادولة"، يُقدّم الأنثروبولوجي الفرنسي بيار كلاستر دراسة نقدية للمفاهيم الغربية التقليدية حول الدولة والسلطة. يُبرز كيف أن بعض المجتمعات، خصوصاً في أميركا الجنوبية، اختارت تنظيم نفسها من دون الحاجة إلى دولة مركزية، معتمدةً على آليات اجتماعية وثقافية تضمن التوازن والانسجام الداخلي، أيضاً يُشير كلاستر إلى أن المجتمعات "البدائية" تمتلك سلطة سياسية، لكنها تختلف جذريًا عن السلطة في المجتمعات الحديثة. ففي هذه المجتمعات، تُمارس السلطة على نحوٍ غير قسري، حيث يُعتبر الزعيم خادمًا للمجتمع، وليس حاكمًا عليه. تُستخدم آليات مثل السرد القصصي، والهدايا، والطقوس لضمان التوازن ومنع تركّز السلطة في يد فرد واحد. والأهم أن رفض الدولة في هذه المجتمعات ليس نتيجة قصور أو تخلف؛ بل هو اختيار ثقافي نابع من رغبتهم في الحفاظ على المساواة وتجنب الاستغلال. تُفضّل هذه المجتمعات نمط حياة يعتمد على الكفاف، حيث يُنتج الأفراد ما يكفيهم من دون السعي للتراكم، مما يُقلل من فرص نشوء التفاوتات الاجتماعية، وهذا جوهر نشوء الدولة الحديثة إلى حد بعيد، لذلك فإن أولوية السياسي على الاقتصادي هو ما سير تلك المجتمعات، وهنا يُعيد كلاستر النظر في الفرضيات الماركسية التي تُعطي الأولوية للاقتصاد في تشكيل البنية الاجتماعية. مما يُدعونا لإعادة التفكير في مفاهيمنا حول السلطة والدولة.

 

الدولة الحديثة بالنسبة لبشارة مختلفة نوعيًا عن الدول القديمة. فالدولة القديمة كانت تتحدد وفق ثنائية: الحكام ↔ المحكومون. أما في الدولة الحديثة، فالحكام والمحكومون أعضاء في كيان واحد عبر المواطنة، وأيضاً الفرق الجوهري أن الدولة الحديثة تفترض شرعية تعاقدية/ مؤسساتية وليست مجرد سلطة مفروضة. وفي هذا السياق لا يوجد تعريف واحد جامع مانع للدولة، فيجد الكاتب أن التعريفات الكلاسيكية (هوبز: السيادة المطلقة، فيبر: احتكار العنف المشروع) كلّها جزئية، لأن الدولة برأيه يجب أن تُفهم بوصفها مجموعة مؤسسات وسياقات اجتماعية، لا بوصفها مفهوماً مجرداً فقط، وهنا يعطي التحليل بُعداً سوسيولوجياً حيوياً من أجل تسليط الضوء على أن المواطنة ليست ملحقًا؛ بل عنصرًا تأسيسيًا ضمن المسار التاريخي، ليستنتج أن الدولة الحديثة لا تقوم إلا على أساس المواطنة بما هي عضوية متساوية في الكيان السياسي، عبر  تطور المواطنة (مدنية → سياسية → اجتماعية)، وهو ما يعكس مسار تطور الدولة نفسها، من زاوية مفهوم المواطنة وتدرجه. وأيضاً اشتغل الكاتب على مفهوم رئيس، وهو أن السيادة مفهوم مركزي لكنه متحوّل، بدأ من جهة أنَّ الدولة الحديثة قد نشأت على أساس السيادة المطلقة داخل حدودها، وهذا يضعنا راهناً أمام مفهوم السيادة، بالنظر إليه عبر علاقته مع الذكاء الاصطناعي، وكيف يؤثر الأخير في سيادة الدول! وهو منذ عقود أخذ النقاش إلى أن العولمة، والمؤسسات الدولية، وحقوق الإنسان،... بُنىً تخفف من وطأة السيادة المطلقة، لهذا فالسيادة لم تعد مطلقة انطلاقاً من العلاقات اليوم، ولذلك يدعو بشارة إلى إعادة تعريفها ضمن علاقات داخلية وخارجية متشابكة.

 

الدولة بوصفها كياناً متعدد الأبعاد

ليست الدولة وفق بشارة، مجرد جهاز قمع (ماركس) وليست فقط تجسيدًا للعقل/ الأخلاق (هيغل)؛ بل هي مركّب تاريخي يجمع: القانون، المؤسسات، الشرعية، القوة، الهوية الوطنية، الاقتصاد، من هنا لا يمكن فصل النظرية عن السياق، فدراسة الدولة دون تاريخها = اختزال. إن أيّة نظرية علمية عن الدولة يجب أن تربط الفلسفة بالسياق التاريخي والاجتماعي، وهذا يفسر لماذا لا يمكن استنساخ النموذج الأوروبي كما هو في العالم العربي، وهذا فخ وقع فيه كتاب قاموا بطريقة قياسية بقراءة سياق عبر آخر، لا يشبه الظروف الموضوعية والبنيوية له بطريقة اختزالية، من ناحية التركيبات والعلاقات المجتمعية. من هنا يريد أن يقول لنا بشارة، أنه لا يمكن فهم الدولة بما هي جهاز فقط؛ بل بما هي بنية مركبة متغيّرة، وأن المواطنة والسيادة هما مفتاح تعريف الدولة الحديثة، الدولة العربية تعيش مأزقًا لأنها لم تمر بالتطور الطبيعي للدولة الحديثة، وأبسط سبب أنها نشأت مع فترة الإستعمار. الحل ليس "استنساخ" الغرب؛ بل إعادة التفكير فلسفيًا ونظريًا في كيفية بناء دولة ديموقراطية عربية.

 

لا يمكن لأي تعريف من هذه التعريفات أن يحيط بالدولة الحديثة وحده؛ الدولة مركّب تاريخي ومؤسساتي: تجمع بين الشرعية (روسو/ هيغل)، القوة (هوبز/ فيبر)، الاقتصاد (ماركس)، والسيادة (شميت)؛ لذلك يرى أن المواطنة والسيادة معًا هما المفتاح لفهم الدولة الحديثة، بعيدًا من الاختزالات. هوبز: الدولة كـ "ليفياثان" (الوحش/الحامي) وظيفتها: منع الفوضى وحماية الأمن، الشرعية: الخوف → الطاعة المطلقة، لذلك تتحول الدولة = الإرادة العامة والأخلاق. أما عند روسو: الدولة تجسيد الإرادة العامة. هيغل: الدولة = العقل/ الأخلاق الموضوعية، تأتي الشرعية: من العقد الاجتماعي/ القيمة الأخلاقية، من هنا وفق البعد الهيغلي تأتي الدولة فوق المجتمع، بوصفها ضامناً للحرية والعدالة. أما ماركس: الدولة انعكاس لصراع الطبقات، تتحول الدولة وفق رؤيته إلى، الدولة = أداة طبقية، وهي بالتالي ليست كياناً محايداً، لتصبح على الطريقة التطورية للتخمينات، في الشيوعية → زوال الدولة. أما ماكس فيبر: الدولة = من يحتكر العنف المشروع. بيروقراطية عقلانية، إقليم محدد، مؤسسات وقوانين، والشرعية تصبح قانونية/ إجرائية. أما الدولة وفق كارل شميت: السيادة = القدرة على إعلان "الاستثناء"، والسياسة = التمييز بين "الصديق" و"العدو".

 

بعد أن تدرج بشارة في نقد كل من تلك النظريات، ندخل في رؤيته المنهجية التي ترى أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تفهم إلا بدمج المواطنة = عضوية متساوية للحكام والمحكومين في كيان واحد، والسيادة = استقلالية الدولة في الداخل والخارج. فالدولة ليست "جهازًا" فقط؛ بل بناءً تاريخياً معقّداً يجمع: القوة، الشرعية، القانون، المؤسسات، الهوية، الاقتصاد. ليكتمل مشهد العرض:

القوة (هوبز) → الأخلاق/الإرادة (روسو/هيغل) → الطبقة (ماركس) → القانون/المؤسسات احتكار العنف (فيبر) → السيادة/العدو (شميت) → المواطنة والسيادة (بشارة ).

 

منهج يجسّر العلاقة بين الاختصاصات

منهج متعدد، تاريخي-جدلي، ومقارن، عابر للاختصاصات، ويجسّر العلاقة بينها لأنه، لا يكتفي بعرض النظريات؛ بل يقارنها وينقدها ويبيّن حدودها، من هنا نجد كيف يعرض المفاهيم (مثل: السيادة، المواطنة، الشرعية) عبر تطورها التاريخي من العصور القديمة حتى الدولة الحديثة، ويبيّن كيف نشأت الدولة الأوروبية الحديثة في ظروف خاصة (الحروب الدينية، بناء الدولة-الأمة، صعود الرأسمالية)، يقارن بين مدارس الفكر السياسي (هوبز/ روسو/ هيغل/ ماركس/ فيبر/ شميت)، ويوضح كيف أن كل مدرسة تختزل الموضوع من زاوية أحادية: هوبز اختزالي، روسو مثالي، هيغل يقلل من دور الفرد، ماركس حصر الدولة ببعدها الطبقي وبالتالي الدولة لم تذوب، ماكس فيبر غير كاف لأنه انطلق من معيار الشرعية القانونية، كارل شميت ينظر بمنظار القوة فقط والصراع. لذلك يحاول بشارة أن  يكون أكثر توازناً بإظهار الفجوات النظرية، من هنا يتحول إلى المنهج النقدي، الذي يرفض التفسيرات الجاهزة للموضوع الاختزالية (مثلاً: الدولة = قمع فقط عند ماركس، أو = تجسيد للأخلاق عند هيغل)، من هنا نكون مع بشارة أمام احتمالية دائمة، لأنه يرى أن كل نظرية التقطت "جزءًا" من الحقيقة، لكن لا بد من تفكيكها ودمجها ضمن تصور مركّب، لا أن نكون أمام تصورات "تأليه الدولة" كما عند هيغل، أو "شيطنتها" كما عند بعض الماركسيين.

 

من هنا ينتقل بشارة أيضاً إلى منهج تركيبي/ بنائية نظرية تعتمد على تفكيك وإعادة تركيب، القوة/ الأمن (هوبز، فيبر)، الاقتصاد/ الطبقة (ماركس)، السيادة/ الاستثناء (شميت)، الدولة كيان محايد (الليبرالية)، القيم المشتركة أهم من الفرد( الجماعتية)، المواطنة/ المساواة (النظرية الحديثة)، ليصل إلى أطروحة أن: المواطنة + السيادة هما مفتاح تعريف الدولة الحديثة. من هنا نكون أمام أزواج نظرية تعطي غنىً للموضوع، التاريخي المقارن: يقرأ المفاهيم في سياقها وزمنها. الجدلي النقدي: يفكك النظريات ويقارنها. التركيبي البنائي: يعيد صياغة تصور شامل، الإسقاطي التحليلي: يوصل النتائج إلى الحالة العربية، لا يتبنى منهجًا واحدًا؛ بل يمارس منهجًا تركيبيًا يجمع بين التاريخي (تطور المفاهيم عبر الزمن). الفلسفي/ المعياري (ما يجب أن تكون عليه الدولة). السوسيولوجي (كيف تعمل الدولة فعليًا)، لهذا نراه كيف يستشهد ببيار بورديو. المقارن (الغرب/ العالم العربي).

 

الشرعية والبيروقراطية

لأن الدولة الحديثة كيان سيادي تاريخي مركَّب، نشأ في سياق مخصوص (أوروبا الحديثة)، ثم عُمِّم عالميًا، يقوم على السيادة باعتبارها سلطة عليا داخل الإقليم، وعلى المواطنة باعتبارها علاقة حقوقية-سياسية بين الفرد والدولة، من هنا فهي ليست مجرد جهاز قمع ولا مجرد عقد اجتماعي مثالي؛ بل هي بناء مؤسسي شرعي يجمع بين القوة والقانون، الشرعية والبيروقراطية، الاقتصاد والسياسة، ولا يُفهم إلا بوضعه في سياقه التاريخي والاجتماعي دائم التشكل والوظائف، يتجاوز الاختزال الماركسي (الدولة = قمع طبقي) أو الليبرالي (الدولة = عقد حقوقي)، فالليبرالية لا تميّز بين النظم السياسية والدولة في ذاتها، ولذلك يفضل منظّروها الحديث عن نظرية الدولة الليبرالية. يجمع إذن بشارة بين القوة، الشرعية، المؤسسات، الاقتصاد، والمواطنة. تعريف بشارة قوي من حيث الشمولية والتركيب الفلسفي، أكثر مما يقدّم تحليلًا تجريبيًا معمقًا لواقع محدد، لأنه كتاب نظري.

 

ربما يفتح هذا الكتاب النقاش حول التعميمات والتخمينات الجاهزة، وخصوصًا لدى المثقف أو المتخصص العربي الذي يتخذ نموذجًا واحدًا مثالًا، فيستبدل به الواقع، فلا يستطيع الوقوف على عتبة الواقع لرصد كيفية العلاقة بين كافة المؤسسات المجتمعية. ونتيجة لذلك، يعجز عن فهم الدولة بطريقة إجرائية وحيّة، لا بما هي مثالية فقط؛ بل بما هي شبكة علاقات القوى التي تحرك هذه المؤسسات والأجهزة، من أجل بناء أدوات قادرة على تفسير الواقع الموجود، وليس مجرد استحضار ما هو مُنجَز. وهنا يكمن خطر الوقوع في فخ تشويه الواقع بدلاً من فهمه، وتصبح الكارثة مضاعفة، من ناحية تأكيد النموذج على نحوٍ أيديولوجي على طريقة التحزبات والمكاسرات المعرفية، من دون تقديم معرفة علمية حية مع الواقع، ومن ناحية أخرى تشويه المعرفة المجتمعية.


سعيد علي نجدي (كاتب وباحث لبناني، يحمل دكتوراه في العلوم الاجتماعية)

الأربعاء 2025/09/24

المصدر: جريدة المدن