تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
11 مارس, 2026

في إنصاف عزمي بشارة.. قراءة في "مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات"

محمد مكي الطاهر

ملخص: 

تقدم هذه المقالة مراجعة مقدرة لكتاب عزمي بشارة "مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات" (2023)، وهو عمل موسوعي يهدف إلى إعادة بناء مفهوم الدولة في الفكر العربي المعاصر. تنطلق المراجعة من فرضية أن الكتاب لا يمثل مجرد استعراض تاريخي للفكر السياسي، بل هو مشروع فكري طموح يسعى لتأسيس "نظرية في الدولة" تتجاوز ثنائية الحاكم والمحكوم، وتستجيب لأزمة الدولة الراهنة في السياق العربي. يحلل المقال البنية الحجاجية للكتاب عبر فصوله، بدءًا من تفكيكه للمفاهيم الكلاسيكية (هوبز، لوك، روسو)، مرورًا بنقده العميق لهيغل وماركس، ووصولًا إلى حواره مع فيبر وتأويلاته لمسألتي السيادة والشرعية. تُبرز المراجعة القوة التحليلية لبشارة في ربط الفلسفة بالسياق التاريخي، وقدرته على صياغة مفهوم للدولة يدمج المواطنة بوصفها "وجهًا آخر للسيادة". كما تناقش المقالة نقديًا بعض الإشكاليات، مثل التوتر بين الطموح النظري الشامل والحاجة إلى نظرية أكثر تجذرًا في خصوصية الدولة ما بعد الكولونيالية، وتطرح تساؤلات حول مدى قدرة المفهوم الفيبري للدولة على الصمود في وجه "الحروب الدولية الجديدة" التي تتآكل فيها السيادة التقليدية. يخلص الباحث إلى أن كتاب "مسألة الدولة" هو عمل تأسيسي لا غنى عنه، يعيد "الدولة" إلى مركز النقاش الفكري العربي لا بوصفها أداة قمع، بل كشرط ضروري للمجتمع والمواطنة، ويفتح آفاقًا جديدة للبحث في مستقبل الكيان السياسي في عالم متغير.

الكلمات المفتاحية: عزمي بشارة، مسألة الدولة، فلسفة الدولة، النظرية السياسية، السيادة، الشرعية، المواطنة.

 

مقدمة:

في لحظة تاريخية تتسم بتصاعد الفوضى، وتآكل السيادات الوطنية، وتغول "ما بعد الدولة" في أشكالها السائلة والعابرة للحدود، يأتي كتاب المفكر العربي البارز عزمي بشارة، "مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات"¹، كصرخة عقلانية ضرورية وجهد فكري تأسيسي. تكمن الأهمية الاستثنائية لهذا العمل، الذي يمثل تتويجًا لمشروع فكري طويل انشغل به بشارة في أعماله السابقة حول المجتمع المدني، والعلمانية، والانتقال الديمقراطي، في توقيته وسياقه. فهو يصدر في أعقاب موجات "الربيع العربي" التي كشفت بشكل مأساوي عن هشاشة الدولة الوطنية في المنطقة، وأظهرت أن البديل عنها ليس بالضرورة الحرية، بل قد يكون الفوضى وتفكك الكيان الاجتماعي نفسه.

لا يقدم بشارة مجرد كتاب آخر في تاريخ الفكر السياسي، بل يطرح "أطروحة" بالمعنى العميق للكلمة؛ أي مشروعًا فكريًا متكاملًا يسعى لإعادة بناء مفهوم الدولة، وتخليصه من الاختزالات الأيديولوجية، وتقديمه كأداة تحليلية وشرط إمكانٍ للمجتمع والمواطنة. في هذا "الواقع السائل"²، حيث تتلاشى الحدود بين الداخل والخارج، وتبرز "الحروب الدولية الجديدة"³ التي تحول الدول إلى مجرد "ساحات" للصراع، يصبح السؤال عن "مسألة الدولة" سؤالًا وجوديًا ومصيريًا. تهدف هذه المراجعة إلى تقديم قراءة لأطروحة بشارة، ليس فقط من خلال تلخيص أفكاره، بل عبر تفكيك بنيتها الحجاجية، وتحليل مساهمتها النظرية، وطرح تساؤلات حول آفاقها وحدودها. سنبين كيف ينجح بشارة في بناء حوار نقدي مع تاريخ الفلسفة السياسية الغربية، من هوبز إلى فيبر، وكيف يسعى من خلال هذا الحوار إلى صياغة مفهوم للدولة يتجاوز ثنائية الحاكم والمحكوم، ويضع "المواطنة" في قلب تعريف الدولة الحديثة.

1. حفريات المفهوم: رحلة نقدية في تاريخ الفلسفة السياسية

يبني بشارة أطروحته على أساس رحلة حفرية (أركيولوجية) عميقة في تاريخ الفكر السياسي الغربي، لا بهدف الاستعراض، بل بهدف التفكيك النقدي للمفاهيم التي شكلت وعينا الحديث عن الدولة. ينطلق من فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبز، لوك، روسو)، ليس لتكرار أفكارهم، بل ليُظهر كيف أن "الحالة الطبيعية" التي انطلقوا منها كانت فرضية فلسفية تهدف إلى تبرير شكل معين من السلطة. يبرع بشارة في الكشف عن التوتر الداخلي في هذه النظريات؛ فهو يوضح أن هوبز، رغم تأسيسه للحكم المطلق، كان في جوهره يؤسس لفكرة "الكيان" السياسي الذي يتجاوز شخص الحاكم. كما يُظهر كيف أن لوك، بتأكيده على الحقوق الطبيعية، وضع الأسس للدولة الليبرالية التي تكون فيها السلطة مقيدة بالقانون.

لكن النقلة النوعية في تحليل بشارة تظهر في حواره النقدي مع الفلسفة الألمانية، وتحديدًا مع هيغل وماركس. يرفض بشارة القراءة التبسيطية لهيغل كمنظر للدولة الشمولية، ويقدمه كفيلسوف سعى لتجاوز ثنائية "المجتمع المدني" (كمجال للمصالح الخاصة) و"الدولة" (كمجال للمصلحة العامة). يرى بشارة أن هيغل، في مفهومه عن "الأخلاق العمومية" Sittlichkeit، قدم تصورًا للدولة بوصفها "فكرة إلهية على الأرض"، أي كتجسيد للعقلانية والكلية التي تتجاوز المصالح الفردية. ورغم نقد بشارة للمثالية الهيغلية، فإنه يستلهم منها فكرة أن الدولة ليست مجرد أداة قمع، بل هي كيان يحمل مضمونًا أخلاقيًا وعقلانيًا.

في المقابل، يقدم بشارة نقدًا مزدوجًا لماركس؛ فمن جهة، يعترف بأهمية النقد الماركسي الذي كشف عن الطابع الطبقي للدولة البرجوازية، وأظهر أنها ليست محايدة كما تدعي الليبرالية. لكنه، من جهة أخرى، ينتقد بشدة الاختزال الماركسي للدولة إلى مجرد "لجنة تدير شؤون البرجوازية"، وتنبؤه بـ"اضمحلال الدولة" في المجتمع الشيوعي. يرى بشارة أن هذا التنبؤ الطوباوي هو الذي أدى، في الممارسة العملية، إلى نقيضه تمامًا: الدولة الشمولية التي ابتلعت المجتمع باسم "ديكتاتورية البروليتاريا".

2. بناء الأطروحة: الدولة ككيان مركب والسيادة كوجه آخر للمواطنة

بعد هذه الرحلة النقدية، يبدأ بشارة في بناء مفهومه الخاص للدولة. يرفض التعريفات المختزلة، ويقدم تعريفًا مركبًا يجمع بين عناصر متعددة. يستند بشكل كبير إلى ماكس فيبر، لكنه يتجاوز فيبر في نقاط حاسمة. يتفق مع فيبر على أن احتكار "الاستخدام الشرعي للعنف" هو السمة المميزة للدولة، لكنه يضيف بُعدًا جوهريًا: المواطنة.

هنا تكمن إحدى أهم مساهمات بشارة النظرية؛ فالدولة الحديثة، في نظره، ليست مجرد جهاز قمعي أو بيروقراطي، بل هي "كيان يجمع الحاكمين والمحكومين" في علاقة جديدة هي المواطنة Citizenship. يرى بشارة أن "المواطنة هي الوجه الآخر للسيادة"¹. ففي الدولة ما قبل الحديثة، كان هناك حكام ورعايا، أما في الدولة الحديثة، فهناك "مواطنون" يشاركون (ولو شكليًا) في السيادة. هذا التحول من الرعية إلى المواطن هو ما يميز الدولة الحديثة جوهريًا. المواطنة، بهذا المعنى، ليست مجرد هوية، بل هي مركب من الحقوق والواجبات التي تربط الفرد بالدولة، وتجعل من الدولة كيانًا مشتركًا، لا مجرد سلطة خارجية.

من خلال هذا المفهوم، ينجح بشارة في تجاوز الثنائية العقيمة بين "الدولة" و"المجتمع". فالدولة ليست كيانًا فوق المجتمع (كما في بعض القراءات الهيغلية)، وليست مجرد انعكاس له (كما في الماركسية)، بل هي في علاقة جدلية معه. الدولة تُشكل المجتمع (عبر القانون والتعليم والمؤسسات)، والمجتمع يُشكل الدولة (عبر المشاركة السياسية والصراع الاجتماعي). كما يقدم بشارة تحليلًا دقيقًا لمفهومي السيادة والشرعية؛ إذ يرفض المفهوم الشميتي (نسبة إلى كارل شميت) للسيادة كسلطة مطلقة تقرر في "حالة الاستثناء"¹¹، ويرى أن السيادة في الدولة الحديثة هي سيادة القانون. أما الشرعية، فلا يختزلها في الشرعية القانونية Legality، بل يربطها بالقبول والإجماع، وبقدرة النظام على تحقيق "الخير العام".

3.السياق العربي: الدولة المستوردة وأزمة الشرعية

على الرغم من أن الكتاب يقدم أطروحة نظرية عامة، فإن همّه الأساسي هو السياق العربي. يرى بشارة أن "الدولة الوطنية" في العالم العربي هي "دولة مستوردة"¹²، لم تنشأ من صيرورة تاريخية داخلية كما في أوروبا، بل فُرضت من الخارج في سياق استعماري. هذا "العيب الخلقي" جعلها تعاني من أزمة شرعية مزمنة؛ فهي لم تنجح في بناء "أمة مواطنين" تتجاوز الولاءات ما قبل الوطنية (القبلية، الطائفية)، ولم تتمكن من بناء عقد اجتماعي حقيقي.

في الفصول الأخيرة من الكتاب، ينتقل بشارة من التنظير إلى التشخيص. يحلل كيف أن الأنظمة السلطوية العربية، من خلال قمعها للمجال العام وتغييبها للمواطنة، قد أفرغت الدولة من محتواها الأخلاقي والسياسي، وحولتها إلى مجرد "جهاز سلطة"¹³. وعندما اهتزت هذه السلطة في عام 2011، لم يكن هناك "كيان دولة" متماسك قادر على الصمود، فانهارت في بعض الحالات (ليبيا، سوريا، اليمن) وتحولت إلى "حروب أهلية" أو "ساحات" للصراع الإقليمي والدولي. من هنا، تأتي دعوة بشارة الملحة إلى "الحفاظ على الدولة" لا كحفاظٍ على الأنظمة القائمة، بل كحفاظٍ على "الكيان" نفسه كشرط ضروري لمنع الانزلاق إلى الفوضى. ويرى أن الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن ينجح إلا "تحت سقف الدولة"، أي دولة قادرة على فرض سيادتها واحتكار العنف، وتوفير الأمن لمواطنيها.

4. قراءة تفحصية ومسارات مستقبلية

إن كتاب "مسألة الدولة" هو، بلا شك، عمل فكري من "العيار الثقيل"، يتميز بموسوعيته وعمقه التحليلي وقدرته على الحوار النقدي مع التراث الفلسفي العالمي. لكن، وكأي مشروع فكري كبير، يمكن طرح بعض التساؤلات النقدية حوله:

- التوتر بين الكونية والخصوصية: على الرغم من أن بشارة يهدف إلى بناء نظرية للدولة تأخذ السياق العربي في الاعتبار، فإن إطاره المفاهيمي يظل مستمدًا بشكل كبير من التجربة الأوروبية (فيبر، هيغل، إلخ). بكل تأكيد أن الدولة ما بعد الكولونيالية تتطلب أدوات مفاهيمية مختلفة نوعاً ما، لا مجرد تكييف للمفاهيم الغربية. هل يمكن فهم الدولة في السودان أو العراق بذات الأدوات التي نُحلل بها الدولة في ألمانيا أو فرنسا؟

- مفهوم الدولة في عصر "الحروب الدولية الجديدة": يركز بشارة على الدولة بوصفها كيانًا سياديًا يحتكر العنف. لكن، كما توضح (NIWT)، فإن العديد من الدول اليوم قد تحولت إلى "ساحات" تتآكل فيها السيادة وتتعدد فيها مصادر العنف (ميليشيات، شركات عسكرية خاصة، إلخ). هل لا يزال مفهوم الدولة الفيبري، حتى بعد تطوير بشارة له، قادرًا على استيعاب هذا الواقع الجديد الذي يتسم بـ"خصخصة الحرب"¹ و"الحرب بالوكالة"¹؟

- الدولة والأمة: يربط بشارة بين الدولة و"الأمة" كمجتمع من المواطنين. لكن العلاقة بين بناء الدولة State-buildingوبناء الأمة Nation-building تظل إشكالية معقدة؛ فهل بناء الدولة يسبق بناء الأمة، أم العكس؟ وكيف يمكن بناء "أمة مواطنين" في سياقات تتسم بشروخ إثنية وطائفية عميقة؟ يفتح الكتاب هذا السؤال أكثر مما يجيب عنه.

 

خاتمة:

في المحصلة النهائية، يمثل كتاب عزمي بشارة "مسألة الدولة" مساهمة فكرية تأسيسية لا غنى عنها في هذه اللحظة التاريخية. إنه يعيد الاعتبار لمفهوم "الدولة" في الفكر العربي، لا كأداة للقمع والاستبداد فحسب، بل كشرط ضروري لوجود المجتمع، وحماية المواطن، وممارسة السياسة. إنه عمل يجمع بين صرامة التحليل الفلسفي وعمق الوعي التاريخي وحرقة السؤال الراهن. قد نختلف مع بشارة في بعض استنتاجاته أو أطره المفاهيمية، لكن لا يمكننا إلا أن نعترف بأنه قد وضع "مسألة الدولة" على طاولة النقاش العربي بجدية وعمق لم يسبق لهما مثيل. إنه يدعونا إلى التفكير في الدولة لا كـ"غنيمة" يتصارع عليها الفاعلون، ولا كـ"شر مطلق" يجب التخلص منه، بل كـ"مشترك" يجب بناؤه والحفاظ عليه وتطويره ديمقراطيًا. في أيامنا هذه التي تتصاعد فيها دعوات الفوضى وتتفكك فيها الكيانات، تصبح أطروحة بشارة حول ضرورة الدولة صرخة في وجه العبث، ودعوة إلى تحمل المسؤولية التاريخية.

 

الهوامش:

¹ عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023).

² Zygmunt Bauman, Liquid Modernity (Cambridge: Polity Press, 2000).

³ محمد مكي الطاهر، بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة: مفاهيم، أطر، ومنهجيات تحليل الصراع المعاصر، (الكتاب الأول من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (الريس للنشر والتوزيع والترجمة، 2026).

⁴ محمد مكي الطاهر، فوق الركام: بناء 'نظرية الحروب الدولية الجديدة' لفهم عالم الحروب المعاصرة، (الكتاب الثاني من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (الريس للنشر والتوزيع والترجمة، 2026).

⁵ بشارة، مسألة الدولة، ص 149.

⁶ المرجع نفسه، ص 64.

 Karl Marx & Friedrich Engels, Manifesto of the Communist Party, in: Marx and Engels: Selected Works (Moscow: Foreign Languages Publishing House, 1962).

 بشارة، مسألة الدولة، ص 197.

 Max Weber, "Politics as a Vocation," in: H. H. Gerth & C. Wright Mills (Eds.), From Max Weber: Essays in Sociology (New York: Routledge, 1946), pp. 77-128.

¹ بشارة، مسألة الدولة، ص 17.

¹¹ Carl Schmitt, Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty (Chicago: University of Chicago Press, 2005).

¹² برتران بادي، الدولة المستوردة: غربنة النصاب السياسي، ترجمة شوقي الدويهي (بيروت: دار الفارابي، 2006).

¹³ عزمي بشارة، الانتقال الديمقراطي وإشكالياته: دراسة نظرية وتطبيقية مقارنة (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2020). 

¹⁴ P. W. Singer, Corporate Warriors: The Rise of the Privatized Military Industry (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2007).

¹⁵ Andrew Mumford, Proxy Warfare (Cambridge: Polity Press, 2013).


الكاتب: محمد مكي الطاهر

الكلمات المفتاحية