.... نواصل الحديث حول كتاب «الجينوسايد أو جريمة الجرائم: مجريات محاكمة إسرائيل في لاهاي» من تقديم د. عزمي بشارة. إن هذا التوظيف السياسي للهولوكوست يُخفي الطابع الاستعماري لحرب الإبادة في غزة، والتي تُبنى على ثلاث ركائز ثقافية: عنصرية استعلائية تُنكر وجود الفلسطيني، ومنطق انتقامي يعاملهم ككتلة متخلفة يجب معاقبتها، وهوس أمني يبرر القتل الجماعي باسم الخطر الوجودي. عليه، تتحول النية إلى إبادة مقنّعة بشعارات الدفاع عن النفس، في ثقافة تمجّد العنف وتحوّله إلى طقس تطهيري. لا شك أن هذا المناخ قد خلق جنوداً يقتلون ببهجة، ويصورون جرائمهم كإنجازات يفخرون بها، بحيث تتجاوز الجريمة فعل القتل لتصبح -كما عدّه بعض الباحثين- بمثابة قتل للقانون نفسه.
ومع استعراضه (عريضة دعوى جنوب أفريقيا التي تتهم إسرائيل بإبادة جماعية) في محكمة العدل الدولية، استناداً إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، يعدد د. بشارة جملة من التهم، تشمل قتل الفلسطينيين، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تصفيتهم، إضافة إلى الفشل في منع ومحاسبة هذه الأفعال، والتآمر والتحريض عليها. كذلك، تشير العريضة إلى استمرار السيطرة الإسرائيلية على غزة رغم الانسحاب، بما يشمل التحكم بالمعابر والبنية التحتية والمجال الجوي، وإلى استهداف المنازل والمستشفيات والمدارس والرموز الثقافية والقانونية الفلسطينية. وبينما تعتمد هذه الدعوى على تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات دولية وفلسطينية، وتستند إلى إحصاءات مأساوية عن القتلى والجرحى والمفقودين، فهي تلفت الانتباه لحقيقة هذه الأفعال، لا كمجرد عنف عسكري بل إبادة جماعية، وذلك لتوفر عنصر النية في الإبادة.
أما (بشأن توافر النية للإبادة الجماعية في حالة الحرب على غزة)، فيشير د. بشارة إلى تلك الإنذارات المبكرة التي تنبأت بوقوع إبادة محتملة في غزة، كما في استقالة مسؤول أممي واصفاً الوضع بنمط يقترب من الإبادة. ولأن الاتفاقية تضع عبء إثبات النية حول الإبادة -وهو عنصر محوري صعب الإثبات- تلجأ الدول المعارضة عادة إلى التشكيك فيه، رغم أن الحالات السابقة تؤكد على أن الروايات الشفهية والرسائل الصوتية ومنشورات المسؤولين وتعليقات الجنود، قد شكّلت أدلة ظرفية قوية تم الاستدلال منها على القصد. ففي حالة غزة، جمعت الدعوى تصريحات رسمية متكررة عن قادة وسياسيين وعسكريين تدللّ على اعتبار كل الفلسطينيين هدفاً، وعلى تحويل القطاع إلى مكان لا يُطاق للعيش، فضلاً عن خطاب شعبي يروّج للعنف بلا هوادة. لذا اعتمد فريق الادعاء نهجاً استنتاجياً يستنبط النية من نمط الأقوال والأفعال، لا من إعلان لفظي صريح. وفي (حجج إسرائيل كما وردت في مرافعات ممثليها أمام المحكمة)، يستعرض د. بشارة المرافعات التي قدمها الطرفان والتي بدت كصور متقابلة! فقد اعتمدت جنوب أفريقيا على تصريحات إسرائيلية متراكمة تكفلت برسم نمط يربط الخطاب الرسمي والاستراتيجيات الميدانية بنية سابقة لإلحاق ضرر مصيري بقطاع غزة وسكانه، حيث طالبت بناءً عليه اتخاذ تدابير عاجلة. أما إسرائيل، فقد اعتبرت تلك الأضرار نتيجة حتمية لساحة قتال قد يتساقط فوقها ضحايا مدنيين، فضلاً عن وجود تنظيم مسلّح داخل أحياء غزة، وقد نفت وجود أي قصد للإبادة لدى قيادتها، وباعتبار أن ما تم رصده من أدلة لفظية يندرج في الغالب تحت إطناب ردود الأفعال أمام حدث صادم. من جانب آخر، وبينما ركّزت المرافعات الإسرائيلية على إثبات النية كمفتاح قانوني للقضية، فقد ارتأت جنوب أفريقيا أن تكرار التصريحات والتحريض الشعبي والمؤسسي، يعززان استخلاص النية من قرائن ظرفية. وفي حين رفضت إسرائيل كل التدابير الوقائية المطلوبة، واعتبرت بعضها تقييداً لحقها في الدفاع عن النفس، فقد حذّرت جنوب أفريقيا من الخطاب العدائي المتكرر الذي قد يمهّد لتنفيذ عمليات بالغة الفتك فيما بعد.
يختتم د. بشارة مقدمته مع (قرار المحكمة)، والذي أوضحت فيه ابتداءً أن طلب جنوب أفريقيا لا يتطلب منها إعلانا فوريا للحكم النهائي، بل التحقق من معقولية ادعائها الذي يستدعي بالضرورة اتخاذ تدابير مؤقتة. لذا، أمرت المحكمة بتدابير عاجلة تُلزِم إسرائيل اتخاذ كل ما يلزم لمنع أفعال تدخل في تعريف الإبادة الجماعية وفق المادة الثانية من الاتفاقية، ووقف التحريض عليها، وضمان وصول الإغاثة، مع إلزامها بتقديم تقرير عن تنفيذها الحكم خلال شهر من إصداره. ورغم الأحكام الملزمة، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية وعرقلة المساعدات، ما دعا جنوب أفريقيا إحالة ملف القضية إلى مجلس الأمن، مطالبة بتفعيل آليات التنفيذ التي باتت رهناً بإرادة المجتمع الدولي وأدواته التنفيذية. ختاماً أقول: حين يُصبح القانون حبراً على ورق، والحقوق شعارات مجرّدة تصدح بها أبواق مأجورة، لا بد أن يفرض الضمير الجمعي الفعل! لا تتوقع العدالة رتلا من كلمات بل حماية مستدامة للمدنيين، ومحاسبة المتورطين، وفرض آليات فعّالة تردع الانتهاكات. عليه، وإن كان للمجتمع الدولي أن يختار الآن: إما حياد الأقوال أو قوة الحماية، فإن الاختيار لا بد أن يكون أخلاقياً وعملياً معاً، إذ لا يستحق شرف الدفاع عن القيم من يستبيح حرمة الإنسان، ولأن الذاكرة القانونية لا تُبنى بالمرارة بل بالإرادة، فإن الحاجة باتت ملّحة أمام الضمير العالمي لترجمة الشعور الأخلاقي إلى أداة قوة، قانونية وسياسية وعسكرية، تُنقذ ما يمكن إنقاذه الآن وقبل فوات الأوان.
الكاتبة: مها الغيث
المصدر: جريدة الشرق
1/1/2026
عُرِف عزمي بشارة بإنتاجه الفكري الغزير وأبحاثه المرجعية في مجالات المجتمع المدني، ونظريات القومية وما أسماه "المسألة العربية"، والدّين والعلمانية