Skip to main content

الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة: عزمي بشارة متعمقا في مبحث الطائفية

2018-05-22

صدر عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات (بيروت/ الدوحة) في آذار (مارس) 2018 كتاب "الطائفة، الطائفيّة، الطوائف المتخيّلة" للمفكّر العربيّ الدكتور عزمي بشارة؛ والذّي يأتي في 927 صفحة حملت في سطورها خمسةَ عشر فصلًا استُهِلّوا بمقدّمةٍ مُمهدة وملخص تنفيذيّ مركز ومُوَجِهْ، واختُتِموا بقائمة مراجع باللغتين العربيّة والإنجليزيّة وكذلك بفهرس ضخم للأعلام والمفاهيم والأماكن والأحداث.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مبحث الطائفيّة ليس بالجديد عن كتابات عزمي بشارة، لكنّها المرّة الأولى التي يُخصِّص له مُؤلفا كاملا. والمُتتبع لبحوثه العلميّة المَنشورة يَسهل عليه اكتشاف ذلك بسهولة من خلال أعمال كـ"المسألة العربيّة: مقدّمة لبيان ديموقراطي عربي" (2007) الذّي قدّم من خلاله ملاحظات حول الطائفية في العراق، وكذا التطرّق إليها في الحالة السوريّة ضمن مؤلفيْن هما "سورية درب الآلام نحو الحريّة: محاولة في التاريخ الراهن" (2013) وكذا "الجيش والسياسة: إشكاليات نظرية ونماذج عربيَة" (2017). أمّا الحالة المصرية فقد تطرّق إليها في الجزء الثاني من كتابه "ثورة مصر" المُعنون بـ"من الثورة إلى الانقلاب" (2016)، والذّي سَبقَتهُ دراسة قصيرة بعنون "هل من مسألة قبطية في مصر" (2012).

كما تمّ التمهيد لكتاب "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة" بمجموعةٍ من الدراسات القصيرة نُشر أوّلها كإطار نظري لكتاب جماعيّ ضخم صدر سنة (2017) عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، وأعدّه ونسّقه محمّد جمال باروت تحت عنوان "المسألة الطائفية وصناعة الأقليات في الوطن العربيّ" (الكتاب هو جمعٌ للأوراق البحثية المحكمّة التّي عُرضت في أحد مؤتمرات المركز العربيّ العلمية). فيما نُشرت أخرى في سنة (2018) في مجلّة سياسات عربيّة بعنوان "في تطوّر مفهوم الديموقراطية التوافقية وملاءمتها لحلّ الصراعات الطائفية: نموذج إيرلندا ولبنان" وفي مجلّة عمران بعنوان " الطائفة والطائفية: من اللفظ ودلالاته المتبدّلة إلى المصطلح السوسيولوجي التحليلي".

"الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيّلة" ضمن فكر الدكتور عزمي بشارة

يُعدّ عزمي بشارة من بينِ أهّم المفكرين المُعاصرين المُنشغلين بمسألة الديمقراطية في المنطقة العربيّة، والذّين أسسوا لها بحثيا عبر العديد من الأعمال، أهمّها في هذا الإطار؛ كتاب المسألة العربيّة. وما يُكمن استخلاصهُ من متن بشارة بشأن الديمقراطية عربيًا؛ هو ارتباطها بحسم مسائل رئيسية ثلاث، هي الثقافة السياسيّة للنخب، الجيش والسياسة، وكذلك المسألة الطائفيّة. فيما يخص المسألة الأولى فإنّها ترتبط بقدرة النُّخَب على الاتّفاق حول بناء قواعد اللّعبة الديمقراطية والتنافس بموجبها، وليس المقصود بها الثّقافة السياسيّة للجماهير. أمّا المسألة الثانية فتتعلق بالطموح السيّاسي للجيوش، أي سَعيهم للوصول إلى السلطة وكبح قيام أنظمةٍ حاكمة يقودها منتخبون ديمقراطيا.

والمسألة الأخيرة، تتعلق بعجز دولة ما بعد الاستقلال عربيًا -خاصّة في المشرق- على حلّ مسألة الطائفيًة وبناء أمّة مواطنيَة يستقي فيها الفرد حقوقه، من كونه مواطنًا وليس باعتباره عضوًا في قبيلة أو إثنية أو مذهب أو طائفة، وكذلك تنامي الولاء الطائفي كنقيض للولاء للدولة الوطنيّة، ومسألة الطائفيّة السياسيّة. ويأتي كتاب "الطائفة، الطائفيّة، الطوائف المتخيّلة" للتعمق في هذه المسألة وذلك بعد تخصيص مساحات واسعة لمناقشة مسألتي الثّقافة السياسيّة والجيش والسياسة. وبالرغم من كون سياسات تجاوز الطائفيّة أضحت أولويةً في دوّل كلبنان والعراق وسورية، إلاّ أنّ مؤلَّف بشارة ليس مؤلفًا واصفًا للحلول أو موجّهًا سياسيًّا (Policy-oriented) بقدر ما هو بمثابة عملٍ أكاديمي يَحتكم لمنهجية البحث العلمي، ويهدف للتأسيس لمنهجيةٍ لدراسة الطائفيّة عربيًا، من شأنها تشكيل أرضية، يستند عليها الباحثون في المنطقة، والأهّم من ذلك؛ محاولة جادّة لتطوير نظريةٍ تتناول علاقة الطائفة بالطائفيّة ونشوء الطوائف المتخيّلة.

بين المنهج والتأسيس لمنهجيّة في دراسة الطائفيّة عربيًّا

 لكلّ بحثٍ علمّي جاد منهجيّة، لكن ليست كلّ البحوث قادرة على التأسيس لمنهجيّة في دراسة موضوع معيّن من العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة. وكتاب عزمي بشارة يبدو كأنّه نجح في الإثنين؛ فمن جهة اعتمد على منهجيّة عابرة للتخصّصات، ومن جهة أخرى حاول التأسيس لمنهجيّة علميّة في دراسة الطائفيَة عربيًا.

اعتمد بشارة على منهجِ متداخل التخصصات شمل السيسيولوجيا والتاريخ والسياسَة. وما يعكسه هذا المنهج هو طبيعة ظاهرة الطائفيّة المتميّزة بالتعقيد، وكذلك قدرتها على التموضع ضمن مجالات متعددة في آنٍ واحدٍ؛ فهي ظاهرة اجتماعيّة تنمو وتتطوّر في مجتمع معيّن دون أن تكون حسبه خيارًا فرديًا، وظاهرة تاريخيّة دون أن توصف بكونها باقية وستبقى، وكذا ظاهرة سياسيّة تأخذ شكل ما يعرف بالطائفيّة السياسيّة الـتّي تُعيد -حسب الكاتب- إنتاج طائفة متخيّلة.

ومن الملاحظات المنهجيّة الأولى التّي تفطّن لها عزمي بشارة، والتّي تأتَّت عقب ثلاث سنوات من البحث الجاد، ما سمح له بالاطّلاع على ما كُتب في مبحث الطائفيّة من داخل المنطقة وخارجها، هي غياب عمل شامل يجمع بين المساهمة النظريَة والبحث السوسيولوجي والتاريخ، وغياب محاولة وضع نظريّة في موضوع يُفترَض أن تخرج المساهمة الرئيسيّة من التنظير له من المنطقة التي تكاد تشكّل مختبرًا حيًّا له، من هنا يبدو كتاب "الطائفة، الطائفيّة، الطوائف المتخيّلة" كنقطة انطلاق لتقليد عربيّ أصيل لدراسة ظاهرة الطائفيّة التّي تُعدّ إحدى الظواهر الملازمة للحياة الاجتماعيّة والسياسيّة خاصّة في المشرق العربيّ.

وكَوْن العرب الأجدر بتطوير مقاربات ونظريّات تُعنى بدراسة الطائفيّة كونها ظاهرة مازالت تُقاوم مُستَقوِيةً بضعف الدولة الوطنيّة، إلاّ أنّ الطائفيّة ليست خاصيّة حصريّة للشرق أو استثناء يُلصق بهم. ولِبشارة باعٌ طويل وتجربة رصينة في دحض ما يراه الآخرون في العرب من استثناءات، وشذوذٍ يتّم تطبيعه عبر الخطاب العلميّ حين يتعلق الأمر بمنطقتنا، ولعل كتاب "في المسألة العربيّة" مرجع أصيل في ذلك. وفي سياق الحديث عن الطائفة والطائفيّة، عرض بشارة وجهة نظر المفكّرين الغربيين الذين يرون أنّه على عكس الغرب، العشيرة والقبيلة والطائفة بمثابة هويات ثابتة طبيعية في المنطقة العربيّة وأنّ الطارئ هو الهويّة الوطنيّة والأمّة المواطنيّة، واعتمد في نقده لوجهة النظر هذه قراءة تاريخيّة تُعيد فكرة الدولة الوطنية والأمة في الغرب إلى طبيعتهما المبنيّة اجتماعيًّا عن طريق تراكم الأفعال ضمن ثنائيّة القطيعة والتواصل، وتحيّد عنهما صفة الطبيعيّة، مُعتبرا بذلك أنّ كلّ الهويّات مصنوعة، حتّى تلك الراسخة غربًا.

ويمكن القول إنّ عزمي بشارة من خلال كتابة الجديد أسّس لمنهجيّة يُعتّدُ بها في دراسة مبحث الطائفيّة عربيًا، ويجدُ له أساسًا متينًا في متن "الطائفة، الطائفيّة، الطوائف المتخيّلة"؛ وفي تقديري يمكن اقتفاء أثر هذه المنهجيّة في ثلاث نقاط رئيسية؛ الأولى هي اعتبار الطائفيّة موضوعا قائما بذاته، نظري، وتاريخي، وراهن، يستحق أكثر من دراسة، وعبر مناهج أكثر من تخصص. الأمر الذّي يقود إلى التسليم بكلّ ثقَة أنّ بشارة يُؤسس لحقل جديدٍ في الأكاديميا العربيّة، يُعنى بظاهرة الطائفيَة، أو ما سمّاه الدكتور حيدر سعيد في مناسبة سابقة "دراسات الطائفيّة". أما النقطة الثانية فتتعلق بما يسمّيهِ بشارة "المؤشرات الرئيسية التّي يجب دراستها لفهم الطائفية عربيا"، والتّي يُمكن اعتبارها مداخل لفهم الطائفية عربيًا، لخصّها في سداسيّة مركّزّة تتعلق بدايةً بالظروف التاريخيّة لنشوء الدولة، ومن ثمّ التنظيم الاجتماعيّ والسياسيّ الموروث والمستحدث للجماعات نفسها، وتفاعل نشوء الدولة مع البنية التقليديّة للمجتمع وانقساماته الداخليّة، وكذلك عمليّة بناء الأمّة ونجاح/فشل الاندماج ومدى تقاطع الفروق الاجتماعيّة والطبقيّة والتنمويّة والجهويّة و"الاستزبانيّة" في مرحلة ما بعد الاستعمار مع الفروق الطائفيّة، وصولًا إلى الصراعات السياسيّة ودور النخب في استثمار الطائفيّة وإعادة إنتاج الطوائف من حيث هي جماعات متخيّلة. والمُلاحَظ أنّ هذه المؤشّرات أو المداخل هي بمثابة صندوق عدّةٍ يُمكن من خلاله، دراسة ظاهرة الطائفيّة في مختلف الحالات العربيّة كالعراق ولبنان وسورية وحتّى في بعض دوّل الخليج ومصر.

أما الأساس الثالث للمنهجيّة المطوّرة من طرف عزمي بشارة، فتتضّح من خلال ما يُمكن تسميته بمُتغيّرات تحليليّة ينبغي التعامل معها عند دراسة "تطوّر الطائفية"، والتّي أَوْجَزهَا فيما يلي: (1) التمييز بين المذهب والتمذهب وتشكّل الطائفيّة بوصفها كيانًا اجتماعيًا. وكذا، (2) بين الطائفة بوصفها كيانا اجتماعيًا محليًّا أهليًا وبين الطائفة المتخيّلة. (3) تحوّلات الجماعة بداية من المجتمع التقليدي وراهنيّة الانتماء الديني وإلحاحه حتّي مرحلة تُضعضع أسس الطوائف ونشوء الطائفة المتخيّلة في الدولة بفعل الطائفيّة. (4) فشل تحوّل الإمبراطوريّة العثمانيّة في مرحلة التنظيمات إلى الأمّة والمواطنة. (5) دور الاستعمار والتفاعل مع الغرب في نشوء مسألة الأقلّيات وسياسات الهويّةـ وأخيرًا، (6) قدرة / عدم قدرة الدولة الوطنيّة على دمج الجماعات على أساس المواطنة وتحوّلات النخب السياسية في النظام والمعارضة، إلى استثمار الهوية الطائفيّة في الصراع على الدولة.

 "الطوائف المتخيّلة" كمفهوم أساسيّ

يُعدّ كتاب بشارة بمثابةِ خزّانٍ للمصطلحات والمفاهيم يجمع الطائفة؛ الطائفة الدينيّة، والطائفيّة السياسيّة، والطائفيّة الاجتماعيّة، ولكلّ منها نصيبه من التحليل والتعريف، وكذا التأريخ لتطوّر المعنى. والطائفَة والطائفيّة، وإنّ كانا مفهومان معقّدان، إلاّ أنّهما مُتداولان بكثرَة في الخطاب العلمي في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة في المنطقة العربيّة وخارجها؛ أمّا المفهوم الجديد الذّي يُصادف القارئ عند الاطلاع على كتاب بشارة هو "الطوائف المتخيّلة" والذّي أنتجتهُ دراسة معمّقةٌ ومتأنية لظاهرة الطائفيّة في السياق العربيّ. إنّه بذلك مفهوم تمّ تطويرهُ ونحته ليكون صالحًا لتقديم توصيفات نظريّة لهذه الظاهرة، مع إمكانيّة سحبهِ على نماذج حتّى من خارج المنطقة.

والطوائف المتخيّلة باعتبارها وافدا على قاموس العلوم الاجتماعيّة والإنسانيَة، لا تعنِي طوائف خياليَة حيث أنّها واقعٌ معاشٌ، بل متخيّلة. والمتخيّل هنا عند بشارة يقترب من مفهوم المتخيّل الاجتماعي عند تشارلز تايلر من ناحية الدور، ومفهوم الجماعات المتخيّلة المطوّر من طرف بندكت أندرسون من ناحية شكل تخيّل الجماعة لذاتها أو أعضائها لعلاقاتهم ببعضهم البعض. والمتخيّل الاجتماعي حين يتعلّق بالطائفة فإنّه يصبّ في معنى "تصوّر التبعية لدين/ مذهب بالاشتراك مع ملايين البشر" المتميّزين بكونهم "لا يعرفون بعضهم البعض". وعلى الرغم من تأثير الجماعات المتخيّلة في صكّ مفهوم الطوائف المتخيّلة، إلاّ أنّ هؤلاء البشر "لم يشكّلوا يوما جماعةً بوصفها انتماء إلى طائفة اجتماعيّة دينيّة كُبرى بناء على ماضٍ مشترك".

وعلى عكس التصوّرات القائمة عند دراسة الطائفة والطائفيّة عربيًا؛ يُشدِّد بشارة على أنّ الطائفيّة المعاصرة هي من تُنتج الطوائف وليس العكس؛ وأنّ الطوائف حين يتّم إعادة إنتاجها فإن تخريجِها يكون في صورة طائفة متخيّلة. وعمليّة إعادة بعث الطائفة طائفةً متخيّلةً حتّى بعد اندثارها عبر الطائفيّة السياسيّة، مرتبطة حسب بشارة بمستويين للتخيّل؛ الأوّل يتجاوز الأهل نحو الدولة، والثاني الدولة نحو خارجها. بهذا تغدو "الطائفة كأنّها قوميةً، أو منافسًا لها على مستوى الطموح السيّاسي لتشكيل هويّة الأفراد الكبرى".   

وأسقط بشارة هذا المفهوم بنجاح على الواقع في القسم الثاني من الكتاب، حين تناول نموذج العراق. وقبل ذلك على لبنان، وملاحظات حول سورية. والعراق يشكّل حسبه النموذج الأكثر راهنيَة، خاصّة فيما يخصّ صعود الطائفة الشيعيّة بدءًا، والسنيّة مُؤخرًا، بفعل الطائفيّة السياسيّة خاصّة بعد غزو العراق (2003) وما تلاه من أحداث.

 وكختام يُمكن القول إن الأكاديميا العربيّة ليست أمامَ كتاب ليُقرَأ، وإنّما ليُدرس.