Skip to main content

"الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة": تفنيد ابن خلدون

2018-05-20

أنور الجمعاوي

 

الطائفة بما هي جماعة تتمتع بهوية خاصة، و بما هي كيان داخل النسيج الاجتماعي، يضمّ إليه النّاس تحت يافطة الأعراف أو الدين أو العقيدة أو المذهب أو الإرث المشترك، هي وحدة اجتماعية تواصلية ترابطية، تضامنية مخصوصة حاضرة بشكل لافت داخل الاجتماع العربي قديما وحديثا. لذلك كانت، وما فتئت، موضوع دراسات استشراقية وعربية عديدة. وتباين الدارسون في مناهج مفهمة الطائفة وتحديد تجلّياتها وخلفياتها وارتدادتها، غير أنّهم يلتقون غالبا عند التسليم بحيوية هذه الظاهرة الاجتماعية، وضرورة دراستها وتجديد النظر فيها. وفي هذا السياق/ يندرج إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتابا جديدا للدكتور عزمي بشارة، بعنوان "الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة" (822 صفحة). وتكوّن المصنّف من خمسة عشر فصلا اشتغل طيّها الكاتب بالنظر في قضايا مفهمة الطائفة، وكيفيات نشأتها، وآليات اشتغالها ومراحل تطوّرها، وتجلّيات استحضارها في التاريخ العربي/ الإسلامي ماضيا وحاضرا، كاشفا الخيوط الواصلة والخطوط الفاصلة بين الطائفة والطائفية والطوائف المتخيّلة، منتقلا من تمحيص الظاهرة لغويّا وسوسيولوجيا إلى البحث في صيرورتها، وكيفيّات امتدادها تاريخيا، مبرزا تجلّيات انعكاسها على الرّاهن العربي، متوسّلا في بيان ذلك بمنهج عابر للاختصاصات، مراوحا بين الوصف والتحليل، وبين التأريخ والتفكيك، وبين النقد وتقديم البديل على نحو أسهم في إجلاء جوانب مُلبسة تتعلّق بالشأن الطائفي في سياق عربي.

في مستوى التأصيل المفهومي للطائفة، انتهج عزمي بشارة نهج المناطقة، فعرّف المصطلح بالخُلف، معتبرا أنّ الطائفة ليست بالضرورة مذهبا أو فرقة أو إثنية، بل هي تنظيم اجتماعي تحكمه مجموعة من التصوّرات والأعراف والعادات والتقاليد التي تحدّد موقع الفرد من الجماعة، وتضبط انتظامها الداخلي وعلاقتها بالجماعات المجاورة. وعنده أنّ الطّائفية ليست مصطلحا قديما بل حديث، ينبني على توظيف الطائفة وإعادة إنتاجها، واستحضار تاريخها ورموزها لضمان استتباع الناس واستقطابهم. ومن ثمّة، فالطائفية في رأيه ليست بالضرورة من إنتاج الطائفة. بل هي تمثّل بعدي لإرث الطائفة ومحاولة لإحيائها وضمان استمرارها عبر الزمان والمكان، استجابة لمقتضيات تاريخية، ومصالح مخصوصة في الداخل أو الخارج. ويؤدّي تخيّل الانتماء إلى جماعة عابرة للحدود إلى إنتاج ما يُسمّيه بشارة "طوائف متخيّلة"، تدّعي الانتساب فضاء طائفي مفارق، له أصول ورموز ومرجعيات تتجاوز حدود الدولة الوطنية.

وفي مستوى تنزيل الظاهرة الطائفية في سياقها التاريخي، بيّن عزمي بشارة أنّ الطّائفة عرفت في الفضاء العربي صيرورة تاريخيّة، انتقلت بمقتضاها، على التدريج، من كونها حالة اجتماعيّة إلى كونها حالة دينيّة/ متخيّلة فحالة سياسية / مؤدلجة. ومن خلال الحفر في زمنية الاجتماع الطّائفي وامتداداته التاريخية، يذهب شارة إلى أنّ تلبيس الطائفة بطابع ديني/ عقيدي تبلور مع القرن الثالث للهجرة، وكان نتيجة اختلاف الفقهاء في فهم النصّ التأسيسي (القرآن والسنّة) على نحو أسهم في نشأة إسلامين، سنّي وشيعي، وترقى الأمر إلى حالة من التمذهب المُمَأسَس مع اشتداد الصراع على السلطة والثروة بين الصفويين والعثمانيين، فتمّ تجيير النصّ الدّيني لتطييف المجتمع وتقسيمه عموديّا وفق خلفيات مذهبية مخصوصة. أمّا في الزّمن الرّاهن، وخصوصا بعد قيام دولة الاستقلال، فبرز مشروع تسييس الطّائفة واستخدامها من جانب الأنظمة الحاكمة" لإدارة عمليّة بقائها في السلطة" على حدّ تعبير عزمي بشارة. ويُنبّه الكاتب في هذا المستوى من التحليل إلى أنّ العصبيّة الطائفية، أو القبلية، ليست عاملا حاسما في" إقامة الدولة الحديثة التي تقوم على تمثيل كيان المجتمع عموما، ولا تقوم على عصبيّة محدّدة". فثمّة مكوّنات أخرى من قبيل الأحزاب والجيش، والجمعيّات الأهلية، واللوبيات الداخلية والخارجية تساهم في صعود نظام سياسي وسقوط آخر. وبناء عليه، الدولة الحديثة من منظور عزمي بشارة "ليست سلالة حاكمة ترتكز على عصبيّة متغلّبة. بل هي كيان سياسي ينبني على مبدأي المواطنة والسيادة على أرض ذات حدود معروفة". وعنده أنّ "النّظام الحاكم  قد يُنتج عصبيّة في خدمته أو يُحيي عصبيّة قديمة، ويُضفي عليها معاني ووظائف جديدة (...) لكنّ العصبيّة لا تُنشئ الدولة." والكاتب بهذا الموقف يُدشّن تصوّرا جديدا للعلاقة بين العصبيّة والدولة، يُفارق التمثّلات التقليديّة، القائمة على ترجيع صدى الفهم الخلدوني القائل إنّ العصبيّة المتغلّبة تشكّل كيان الدّولة. ونقض بشارة في هذا الصّدد مقولات ليون غولد سميث، وميشيل سورا، وفؤاد الخوري القائمة على تركيب العصبيّة الخلدونية على الطائفة والدولة الحديثة، قائلا بأنّ" دولة ابن خلدون دولة سلالة حاكمة، تقوم بالعصبيّة، وتندثر بضعفها، أمّا الطائفة في العصر الحديث فلا تُنتِج الدولة، بل تُنتجها الدولة في عمليّة الحفاظ على الحكم أو في الصّراع على اقتسام الدولة". وبرهن المؤلّف على صحّة مقاربته في هذا الخصوص باستحضار أمثلة عينيّة، اشتقّها من واقع بناء الدولة الحديثة في سورية والعراق واليمن. أين لم تكن الطائفة عنصرا محوريّا في وصول بعض الوجوه إلى سدّة الحكم. بل تمّ استدعاؤها بعديّا لتحصين الزّمرة الحاكمة بسياج طائفي، ولتكريس التمييز بين الأقلّية والأغلبيّة، وترسيخ هيمنة الدولة الشمولية.

ويُفسّر بشارة صعود الطائفة بتلويناتها المختلفة في السياق العربي المعاصر بفشل ما يُعرف بالدولة الوطنية في بناء نظام مؤسّسي/ مدني/ تقدّمي، يُقرّ بالاختلاف، ويؤمّن المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات.فكان أن أثمرت العَلمنة القسرية والمبتورة، والسياسات السلطوية الفوقية حالات تطييف، شقّت المجتمع عموديّا، على نحو هدّد السّلم الاجتماعي وبعثر الوحدة الوطنية، وأنهك كينونة الدولة في أكثر من بلد عربي. والبديل عن الطائفيّة في نظر عزمي بشارة يتمثّل أساسا في بلورة وعي نقدي بالطائفة، والتأسيس لدولة مواطنية جامعة، تُتيح للجميع المشاركة في الشأن العامّ والمساهمة في اتّخاذ القرار، والتداول على السلطة بطريقة تشاركيّة ديمقراطيّة.

تكمن أهمّية نصّ بشارة في وضعه الطائفة ومتعلّقاتها تحت مجهر التفكير العقلاني، وفي محاورته النصوص القديمة والمعاصرة بموضوعيّة، تراوح بين التحليل والاستدلال، وبين الاستدعاء والنّقد والتجاوز. فسطّر الرّجل لنفسه وللقرّاء نهجا جديدا  في تمثّل تاريخيّة الطّائفة وصيرورتها ومَوقعَتها من الدولة العربية الحديثة. وما قدّمه بشارة في هذا المصنّف من مقاربات تحليلية نقديّة يُعدّ مدخلا مهمّا من مداخل فهم الظاهرة الطائفيّة عند العرب، ويُعتبر إضافة نوعيّة لمكتبة علم الاجتماع السياسي العربي. 

 

المصدر: ضفة ثالثة