Skip to main content

الإصلاح والتنوير بين فيبر وبشارة: قيم الثقافة أم عقل الدولة؟

2018-06-22

حسام أبو حامد

 

طيلة قرون، بدت أوروبا، لا سيما في عصرها الوسيط، متجانسة ثقافيا، حضارةً مسيحيةً تحت قيادة الإمبراطورية الرومانية، لكن حركة الإصلاح البروتستانتي، المنطلقة في القرن السادس عشر، مزقت هذه الوحدة الشكلية. فحيثما انتصر الإصلاح تعززت المشاعر الوطنية لأبناء الدول الإقليمية الجديدة.

مثلت الحروب الدينية، التي اختتمت بحرب الثلاثين عاما (1618- 1648)، إحدى النتائج السلبية لحركة الإصلاح الديني البروتستانتي، قبل أن تمهد اتفاقية وستفاليا الطريق لبناء الدولة على قاعدة التسامح الديني، أو بمعنى أصحّ، اشترطت الدولة القومية تسامحا دينيا لاستمرارها، لتتأسس السلطة على عقد اجتماعي، وعلى ديمقراطية جون لوك التمثيلية، لا على حق إلهي مقدس.

مسارات غير مقصودة

حاول الإصلاح الديني البروتستانتي إحلال الإيمان الفردي مكان الروح الجمعية، مقدمة للتخلص من هيمنة الكنيسة على النص، واحتكارها الحقيقة، وفرض سلطتها على الجماهير.

أراد لوثر أن يجعل كلَّ فردٍ قسيس نفسه، فلا داعي لواسطة بين الله والبشر تتولى شرح الكتاب المقدس، وعلى القساوسة أن يعيشوا كسائر الناس، يتزوجون ويؤسسون عائلات، فهدف في سعيه إلى إلغاء الإكليروس النظامي وحياة الدير، تطهير الدين، والعودة بالكنيسة إلى البساطة الأولى. فالخيال الجنسي المعذب لا يبرر ادعاء أي حق حصري بالوساطة بين الله والناس، فلا مكان لطهرانية تبدو مستحيلة أو مَرَضيّة.

بداية، حاول لوثر أن يقود إصلاحا داخليا، وحين فشل دعا إلى إنشاء كنيسة منفصلة عن سلطة البابا، لتنفجر الأمور بروتستانتية بوصفها حركة انشقاقية عن الكنيسة الكاثوليكية العالمية المسيطرة. هذه الأخيرة اعتبرت البروتستانتية هرطقة.

تفكيك السلطة البابوية أسهم في تعزيز النزعة الفردية، وتعززت المشاعر الوطنية، وصولا إلى العلمانية السياسية، ولعل ذلك تم دون قصد، فلوثر لم يكن مارقا على الإيمان المسيحي، ولا نتاجا مباشرا لحركة النهضة الأوروبية، التي نمت قبيل انطلاقة حركته الإصلاحية، ولم يكن رسولا للعقلانية، ولا داعية للتجربة الإنسانية. لكن المفارقة، أن حركته أفضت إلى توسيع وتعميق الطريق الذي أفضى الى تلك المسارات.

النهضة والإصلاح

قبيل لوثر، لعبت تحولات المدن الأوروبية مع حركة النهضة دورا بارزا، فشكلت المدينة فضاء جديدا ساعيا للتخلص من قبضة الإقطاع والكنيسة، وحملت البرجوازية الصاعدة مشروعا للتغيير، يقوم على شعار العقل، والانفتاح على العالم بفضل الكشوف الجغرافية، انتعشت الجامعات (1) بعيدا عن اللاهوت، فدرّست الفلسفة، والقانون، والفيلولوجيا التي كشفت تحريفات الإنجيل بالعودة إلى النص الأصلي المكتوب بالإغريقية. تعاظم رجال القانون على حساب رجال الدين، وتلقى الرهبان تعليما جامعيا انعكس فهما جديدا للاهوت. الحركة الأدبية الإنسانوية استندت على التراث العقلاني وتقنية المطبعة، ورأت في الفرد طاقة للإبداع متحررة من الموروثات الجماعية، وترافق ذلك مع ميلاد الدولة القومية.

أفادت البروتستانتية من هذه التحولات، فتقنية الطباعة قدمت للوثر إمكانيات واسعة لنشر الدعوة، ووجد الأخير إلى جانبه عديدًا من الأمراء الألمان، والبرجوازية المدينية، على استعداد لدعمه، وربما لم يكن ليجرؤ على رفض المثول أمام البابا ليون العاشر لولا حماية فردريك الحكيم، أمير بلاد الساكس.

يهودية جديدة

هل دفعت البروتستانتية الاقتصاد الأوروبي باتجاه الرأسمالية وطورتها مقدمة أفكارا أسهمت في تبريرها؟

خلافا للطرح الماركسي الذي يؤكد على أولوية العوامل الاقتصادية على عناصر البنية الفوقية (منها الدين)، اعتبر ماكس فيبر، في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، أن الرأسمالية الحديثة نشأت من خلال العقيدة البروتستانتية، بما تتضمنه من سلوك وأخلاقيات عملية. ومن خلال مقارنته بين الطوائف الدينية المنتشرة في أوروبا، استنتج أن الطائفة البروتستانتية هي الأقرب إلى روح الرأسمالية.

بدا الفارق لدى فيبر بين الأخلاق البروتستانتية والكاثوليكية، فارقا بين خيارين تقدمهما حكمة شعبية تقول "إما أن تأكل جيدا، أو أن تنام جيدا". يفضّل البروتستانتي أن يأكل جيدا بينما يفضل الكاثوليكي أن ينام هادئا.

لقد أباحت الأخلاق البروتستانتية (على عكس الكاثوليكية) الربا، ومراكمة الثروات عن طريق العمل، وعدم التبذير، والاستثمار أكثر من أجل مضاعفة الأرباح، وتوسيع الإنتاج، مما أدى إلى عقلنة الاقتصاد وخضوعه للمنهجية، وهيمنة روح من العقلنة في ضبط الأمور.

ساد هذا التوجه الفيبري عند عدد من السوسيولوجيين الألمان، وجد بعضهم في البروتستانتية يهودية جديدة، فالتصور الجديد الذي أرسته البروتستانتية للثروة أصبح في نظر البروتستانتيين واجبا دينيا ودليلا على الرضى الإلهي.

نهضة لاحقة

يرفض عزمي بشارة أن يكون الإصلاح الديني البروتستانتي نهضة خاصة بألمانيا (2)، تلك الفكرة التي تبدو مستقرة لدى فلاسفة ألمان أمثال فيلهلم دلتاي. وبرأيه، إذا كان الإصلاح الديني هو نتاج المرحلة النهضوية إلا أنه يمثل مسارا آخر، يكاد يكون نقيضا للنهضة "لأنه يبدأ بالعودة إلى النص والسلف وأصول الدين بإلغاء الوساطة بين الإنسان والله، واضعا الفرد أمام خالقه مباشرة، مشكلا أساسا لنهوض أخلاقي فردي لاحق، ولنهضة وطنية بتقوية الدولة في مقابل الكنيسة، وفي نزع السحر عن الدين ذاته بنقد فكرة الطقوس المعقدة ووصف الأعمال للمؤمن التي تقود إلى خلاصه كالسحر" (ص 237).

تشكل مذهب لوثر الديني بوعي أو بغير وعي من عناصر التقليد اللاهوتي الفلسفي الكاثوليكي الإسماني، لا سيما رفض دور العقل في الدين، والتشديد على الإيمان الفردي، فبقي النص لديه مصدر المعرفة الدينية. أفكاره لم تكن جديدة، بل جمعها من رهبنة الحياة الجديدة، وعناصر محددة من الأنسنيين والفلسفة الإسمانية، علاوة على العودة الى اللاهوت الأوغسطيني بشأن الخطيئة وفساد الجنس البشري.

لكن أهميته ازدادت، وبه ارتبطت أفكار الإصلاح، بفضل الظرف السياسي التاريخي في عصره، ودفعه ارتباط مذهبه بمجموعة من الدول إلى التنظير أكثر فأكثر له، وهو ما لم يتح لغيره ممن سبقوه، حين كانت الكنيسة في أوج قوتها، قبيل المطبعة، وبروز الأفكار القومية وفكرة الدولة وسيادتها، التي دفعت الأمراء إلى تبني تمرده على الكنيسة. الإصلاح الديني البروتستانتي في نظر بشارة ليس نهضة، بل "حركة أصولية وحتى سلفية، شكلت بعودتها إلى الأصول وتنقيتها أساسا لنهضة لاحقة" (ص 237).

ثقافة انشقاقية

تذهب توجهات بحثية إلى اعتبار أن البروتستانتية خطوة مضافة إلى الأمام بعد الأنسنية، لأنها لا ترفض التنوع الديني جوهريا، كما هو الحال في الكاثوليكية (باستثناء حقبة ما بعد الحروب الدينية)، ولأنها ترفض الانقياد الأعمى. يرى بشارة في هذا التوجه حكما تعميميا غير صحيح. ويحاجج بأن البروتستانتية لم تضف شيئا إلى الأنسنيين الكاثوليك في موضوع التسامح، بل من أضاف إلى فكرهم في هذا الموضوع تحديدا هم مفكرو التيارات المتفرعة عن الكنائس الرئيسية في البروتستانتية، لا سيما أولئك الذين اتخذوا منحى غير عنيف. أما الإضافة الحاسمة إلى هذه كله فهي التشكيل السياسي للدولة الإقليمية في خضم الصراع المذهبي، ثم تأثيرها في البروتستانتية.

وبعد أن بقيت الكاثوليكية كنيسة واحدة يجري التطور البطيء داخلها، أو بخروج عنها ضدها، أدت الخلافات البروتستانتية إلى إقامة فرق وكنائس جديدة عبر القرون. فكنائس متعددة برأي بشارة تتناسب ومنطق التدين البروتستانتي، فإذا كان كل مؤمن رجل دين قادرا على تفسير النص المقدس، وإذا كانت الكنيسة "اتحادا حرا"، فما الذي يمنع أن يجمع كل تفسير ممكن للنص الأتباع ليكوّن فرقة جديدة؟ الفهم المباشر للنص، وعدم الاعتراف بشرعية مرجعية مؤسسية غير المؤمن الفرد ذاته "أسس ثقافة انشقاقية، عند المؤمنين على الأقل" (ص 250).

بناء على ذلك انقسمت البروتستانتية بالتدريج أقطابا متشددة وأخرى ليبرالية، وأقطابا متزمتة وأخرى متسامحة، اتسعت الهوة بينهما لتميز التعددية الفِرَقَية المراحل المتأخرة من البروتستانتية، وتصبح أهم عوامل الصراع مع العقيدة الرسمية، دفعت باتجاه النزوح داخل أوروبا والهجرة الى أميركا.

البروتستانتية: التديّن والعَلْمَنَة

إن إسهام البروتستانتية في العلمنة انحصر في دنيوة الدين. ففي رأي بشارة، أصبح لوثر من أغزر اللاهوتيين كتابة "دون أي نبرة فلسفية... فهو من أوائل من فصلوا اللاهوت عن الفلسفة، فاتحا الطريق لعَلْمَنة الأخير في البلدان المسيحية، لكن فعل ذلك من طرف الدين، لا من طرف الفلسفة" (ص243). مع ذلك، يرى أنه لا يمكن تجاهل التأثير الثوري لفكرة أن المؤمن شخصية فردية مستقلة، يقرأ ويفهم مباشرة ودون وسيط من الكتاب المقدس.

دنيوة البروتستانتية الدين حين أدخلته في حياة الناس، كأخلاق ونمط حياة، وليس مجرد شعائر، وتنفيذا لتعليمات الكنيسة، بينما بقي الدين في الكاثوليكية منفصلا عن الممارسة الدنيوية لارتباطه بتعاليم المؤسسة الدينية لغرض الخلاص، ولم يتأثر بالتالي بتطور الحياة الدنيوية والمعيشية للناس، لذا نشأت العلمانية في المجتمعات الكاثوليكية على صورة ردود أفعال حادة متأخرة، أو على صورة ثورات على الكنيسة، والتدين المحافظ، نتيجة جمود المؤسسة الدينية وتهميشها للأنسنية الدينية في عصر النهضة. تعلّمنت الكيانات السياسية البروتستانتية بمبادرة من مؤسسات السلطة الزمنية، التي سيطرت على الدين في تفاعل مع مجتمع تَعَلْمَن نمط تدينه وبات أكثر دنيوية بالتدريج.

أسهم لوثر، لاحقا، في إطلاق التنافس الاقتصادي، بالسماح بمصادرة أملاك الكنيسة أو علمنتها، كما ساهم كالفن في تشجيع الاقتصاد الرأسمالي برفضه الموقف الكنسي الكاثوليكي البابوي متمثلا بتحريم الربا والفوائد المالية. وقد أدى منع البروتستانتية الرسم والنحت والتصوير والزخرفة، بشكل غير مقصود، الى انسحاب هذه الفنون، التي ازدهرت في إطار الكنيسة الكاثوليكية، من المجال الديني الى المجال الدنيوي.

الحركات الدينية وما انشق من كنائس عن التيار الرئيسي في البروتستانتية "وتعددية هذه الحركات والكنائس ونقاشاتها وبحثها في الخيارات الدينية المختلفة للمؤمن ساهمت في تأسيس مفهوم الفرد والأوتونوميا الأخلاقية، التي ازدهرت لاحقا في فكر التنوير في القرن الثامن عشر" (ص298).

سيف الأمير وعقل الدولة

من تشكيكي (ريبي) يقود مذهبا معارضا، ويعاني من الحرمان البابوي، انقلب لوثر إلى عقائدي متعصب، لا سيما بعد أن ساد مذهبه في إمارات، وثم في ممالك ألمانية، تبنّى حكّامها مذهبه، حين لاءمت أهدافه مساعيهم للتخلص من سلطة الامبراطور، وسلطة الفاتيكان الدينية، الذي لم يكتف بكونه مصدرا للشرعية الدينية، بل صار سلطة دنيوية تُملي خطوات سياسية.

لقد لعبت الظروف السياسية في الالتقاء بين النزعة الاستقلالية في الأقاليم والأهداف الإصلاحية اللوثرية، كان التقاء تمردين: إصلاحي على الكنيسة، وإقليمي على الامبراطور. منهجيا، يرى بشارة أنه لا يمكن فهم تطور حركة الإصلاح وتثبيتها وتحولها إلى كنائس وطنية، من دون فهم نشوء منطق الدولة، والشعور الوطني، في إطار الحضارة المسيحية.

ففي عصر كليمنت السابع -3- (ت 1534)، ومع تنامي الصراع بين البابا والامبراطور، أتيحت الفرصة للنبلاء وحكام الأقاليم لتثبيت استقلالهم، بوساطة مطرانيات وكنائس إقليمية لوثرية، لا سيما بعد نشوء حركات بروتستانتية راديكالية كحالة توماس مونتسر، وأندرياس كارلشتات وكان لها دور فاعل في حرب الفلاحين (1524- 1525).

الإصلاح اللوثري (والبروتستانتي عموما) كان إصلاحا اجتماعيا شاملا، يحاول تنظيم الحياة بكل تفاصيلها فكان شموليا متزمتا وتمدينيا في الوقت نفسه، بدعوى أن يعيش كل مؤمن حياة مسيحية. اعترفت البروتستانتية للدولة بشرعية احتكار العنف، وطاعة السلطة لم تعد ذنبا إلا في معصية الخالق.

مع كالفن وتسفنغلي يصعب الفصل بين القائد السياسي والقائد الروحي "لدينا هنا من دون شك نوع من "المرشد الأعلى" للجمهورية المسيحية، لكن قبل خمسمائة عام" (ص 273). شرّعت الكالفنية الحرب الدينية، حين رأت في استخدام القوة وسيلة للدفاع عن الدين، ومارس كالفن ديكتاتورية مطلقة لا مجال فيها للتسامح لا سيما حيال ما اعتبره هرطقة. وكان الهدف السياسي الديني لتسفنغلي صهر الكنيسة والمجتمع في دولة ثيوقراطية، ونزعته الأصولية بدت تيارا يعلي من شأن السلطة الزمنية المنظمة، على شكل جمهورية، على حساب المؤسسة الدينية، لذلك، حسب بشارة، كان من الطبيعي أن يضعف العنصر الديني في دولته بعد مماته، لصالح تعزيز عنصر الدولة التي أرسى هو نفسه الأساس الديني لشرعيته المطلقة.

مع لوثر، لم تكن السلطة هدفا ولا حتى تحسين العالم، ولم ينظّر لنظام حكم محدد، فكان إصلاحه دينيا لا سياسيا هدفه الخلاص. لكنه تدخل في المجتمع ليعيش الناس حياة مسيحية، فأوصله ذلك الى استخدام السلطة في قمع الهرطقة الخارجة عن المذهب اللوثري، ودعا الدولة إلى مساعدة الكنيسة التي لا يمكنها استخدام العنف لحماية المجتمع من الانحراف (كما في حرب الفلاحين التي دعا الى قمعها بكل قسوة). وبعد أن كان يرفض تدخل الدولة في شؤون العقيدة، ولم يكن حديثه ذاك نظريا علمانيا بل دفاعا عن الأقليّة الإصلاحية، استنتج لاحقا أن الفصل بين السلطتين الزمنية والدينية ليس مطلقا، ولو كان جميع الناس مسيحيين حقيقيين لما كانت حاجة المجتمع إلى دولة. إذ لا يمكن الحفاظ على الأمن الاجتماعي وهناك على الأرض أكثر من بشارة واحدة.

ما بين العقدين الثالث والثامن من القرن السادس عشر، تتالت حملات الملاحقة والاضطهاد والإعدام في المناطق البروتستانتية، ولم يكن ذلك، برأي بشارة، انقطاعا في تاريخ التسامح، أو كسرا فيه، كما يذهب البعض بل "كان هذا منطق نشوء الدولة في بداياته القاسية. وفي ظل هيمنة أجواء تعصب ديني متبادل بين الكاثوليكية والبروتستانتية، تحوّل إلى تعصب داخلي، بصيغة فرض الامتثال الديني كنوع من حفاظ كل طرف على "جبهته الداخلية" موحّدة" (ص275).

البروتستانتية، برأي بشارة، لم تثر تسامحا بل اتفقت مع طموحات السلطات الزمنية للتمرد على الإمبراطور، وتأكيد الاستقلال عن الكنيسة في روما لتأكيد سلطة الدولة. بل حملت معها، منذ البداية، قمعا دينيا غير مسبوق لتأسيس كنيسة الدولة وفرضها، واعتبار التنوع الديني تمردا على الدولة. لكنها ما لبثت أن أخضعت التنوع الديني لعقل الدولة (منطق الدولة) ومصالحها، والتسامح مع التنوع الديني حين اقتضى ذلك الاستقرار والسلم الأهلي، أو حين فرضت المعارضة الدينية القوية على السلطة القبول بحلول وسط لاحتوائها، هذا برأي بشارة كان أساسا لمراسيم التسامح التي صدرت لاحقا في الدول الأوروبية (4).

ترافق منطق الدولة وتزايد قوة السلطات الدنيوية وتنظيمها حسب بشارة تنظيرا على أنواعه لإعلاء شأن الدولة على الكنيسة، ما فتح الباب أمام القبول بالتسامح حين يكون في مصلحة الدولة، والإكراه الديني إن لم يكن كذلك، وما يبدو هاما عند بشارة أن "هذه الدينامية لم تعد في أيدي رجال الدين، بل اصبحت تخضع لصيرورات أخرى مصدرها العلاقة بالدولة، وقادت هذه الدينامية في النهاية بعد قرون إلى الانتقال التدريجي من التسامح، كمبدأ ديني إلى الحرية الدينية، وهي مبدأ علماني" (ص 299).

وهكذا تَعَلْمَنَت فكرة التعاقد في الثقافة المسيحية، لتصبح ضابطا لعلاقة البشر بالمؤسسات، وناظما لمبادئها الأساسية الحاكمة. فأسست نظرية هوبز السياسية عقدا ينتفي فيه التمرد على الطغيان، لأن الحاكم فيه ليس طرفا في العقد، لكن حق مقاومة الظالم تحوّل من واجب ديني عند الكالفنيين، إلى واجب المواطن تجاه حاكم لم يقم بواجبه عند لوك.

لقد عاد عقل الدولة "إلى مصادر ثيولوجية مهمشة كانت تدعوه الى التسامح في تاريخ الفكر الديني للمذهب السائد، بروتستانتيا أكان أم كاثوليكيا، أو ولّد عقل الدولة مصادر من هذا النوع عند الحاجة" (ص 258).

الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية

تؤكد سوسيولوجيا ماكس فيبر دائما على العلاقة بين نشوء "العقلنة الرأسمالية للفعل الإنتاجي وعقلنة عملية الربح (لا الرغبة في الربح نفسه) من جهة، والزهد الداخلي الدنيوي الكالفني الذاهب إلى التأثير في العالم بموجب تحقيق رسالة الإنسان في الكون عبر الإخلاص في عمله وإيمانه العميق بأن المصير تقرر، وأنه جزء من الصفوة المختارة للخلاص، وعليه أن يتصرف بناء على هذا الأساس من جهة أخرى" (ص277).

رأى فيبر في قدرية الكالفنية أساسا لتجاوب ثقافتها مع العلمنة الرأسمالية، حيث الخلاص ليس مكرمة من الكنيسة (كما في الكاثوليكية)، بل نعمة إلهية طريقها (غير المؤكدة) هو سلوك المؤمن اليومي. شرعنت الكالفنية الإقراض على أساس الفائدة (الربا) وانتشرت أخلاقها عند الهوغونو في فرنسا، والطهرانيين الإنجليز وفي هولندا، حيث كانت هذه مواضع نشأة الرأسمالية الانتاجية الحديثة، والتي حسب بشارة شكلت موضوعا رئيسيا للتنظير عند ماكس فيبر.

تمثلت إسهامات الكالفنية في العلمنة بنزع السحر عن علاقة الدين بالعالم، فلم يبق الغفران والتحرر من قلق الخطيئة مرهونا بدور الكاهن، كما كان في الكاثوليكية، بل أصبح المؤمن في الكالفنية مطالبا أن يتقيد بنظام حياة كامل ومنضبط فاضل ومقدس. فلم تعزل الكالفنية الإيمان داخل الدير، تضمن ذلك عودة من روحانية العهد الجديد إلى براغماتية العهد القديم في التعامل مع الدنيا، والتي يسميها فيبر "عقلانية"، دون منح الدنيا قيمة بذاتها، بل الفعل هنا يكون لمجد الرب. أما تقسيم الكالفنية للبشر بين مولودين من جديد في الإيمان، وغير مولودين من جديد، فكانت وفق فيبر الأساس لقيام فرق دينية عدة تكفيرية طورت تيارات مختلفة للكالفنية.

يجد بشارة فيما ذهب إليه فيبر بعض الحقيقة "لكن مقولات فيبر حوّلت هذا الموضوع إلى أسطورة جعلت الباحثين يتبعونه في البحث في الدين عن سبب للرأسمالية، والبحث المقارن بين مواقف الديانات المختلفة وأخلاقياتها" (ص280).

يذهب بشارة إلى أن مقولات فيبر تنطبق بشكل خاص على الكالفنيين البروتستانت في المهاجر والمنافي، خارج بيئاتهم الطبيعية (كحالة الهوغونو المهاجرين إلى ألمانيا). لكن هناك أيضا حول هؤلاء تفسير سابق على فيبر، ومناف له، هو تفسير أحد آباء علم الاجتماع فيرنر زومبرت (1863-1941)، والذي فسّر نشوء الرأسمالية بالجماعات التي عاشت على هامش المجتمعات، كأقليات تحررت من عوائق العادة والعرف والمكانة أمام التفكير الحسابي الرأسمالي، وحُرمت منها في الوقت نفسه، مما جعلهم يعتمدون على التجارة وجمع المال بين اقتصاديات المجتمعات المختلفة، التي أقصوا عنها، مصدرا للبقاء والنفوذ، وأجادت في حالات أخرى العمل في المهن والحرف.

لا ينفي بشارة تأثر الرأسمالية بأخلاقيات البروتستانتية، لكنه يؤكد أن أسباب نشوئها التاريخية لا تقتصر على توافر أخلاقيات تتلاءم وروحها من عدمه، ويبقى مطلوبا البحث بعمق في العوامل التاريخية والاجتماعية الأخرى.

إذًا يعتقد بشارة أن التفسير الفيبري الذي يلحّ على القيم الدينية، غير كاف لتفسير نشأة الرأسمالية، وفي الحالة العربية يرى في مطالبة البعض بإصلاح ديني على النمط اللوثري باعتباره مقدمة للتنوير، وهمًا (5). فالبروتستانتية التي يعتبرها علماء الاجتماع الفيبريون "عقلنة" للدين، ودنيوة لسلوك المؤمن، كانت في بداياتها حركة أصولية تريد العودة إلى النص، وكتخل عن تبعية الكنيسة في روما، والتمسك بوحدة الكنيسة المحلية والكيان السياسي، والإصلاح اللوثري بدأ سلفيا أصوليا تكفيريا متزمتا تمخضت عنه حركات ثورية تكفيرية عنيفة، قبل أن يتولد منه تقليد آخر تطور من خلال تفاعله مع الثورة العلمية، ونظرية الدولة، والتسامح الديني في الدولة، أنتج أحد تيارات التنوير.

عموما، نخلص مع بشارة إلى أنه ورغم عدم إمكانية تجاهل الدينامية الداخلية للنقاشات الدينية، والصراعات بين التيارات الدينية، والصيرورة الفكرية ذات آليات التطور الخاصة، والمتفاعلة مع الواقع، لا بد مع ذلك من البحث في مصالح الدولة نفسها بعد أن أصبح في يدها زمام المبادرة، فمدى قوة الدولة ومصالحها، ومستوى تطور العوامل الاقتصادية في كل منطقة، هو أكثر فائدة لفهم طبيعة التحولات التاريخية، بدل الاكتفاء بتصور طابع ثابت للمسيحية أفضى بشكل متدرج نحو التسامح، أو إلى نمط اقتصادي معين.

هوامش:

  1. في باريس وأكسفورد بدأت أولى الجامعات في القرن الثاني عشر الميلادي.
  2. عزمي بشارة. الدين والعلمانية في سياق تاريخي (بيروت/ الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013-2015)، ج2، مج 1، ص 237. وسنكتفي لاحقا عند الإحالة لنصوص الكتاب بالإشارة إلى أرقام الصفحات ضمن المتن.
  3. بابا الكنيسة الكاثوليكية التاسع عشر بعد المئتين.
  4. بعد أن برر منطق الدولة القمع الديني في القرن السادس عشر، حين سعى إلى وحدة العقيدة (معاهدة أوغسنبورغ 1555)، أصبح منطقها يبرر التسامح. فالاضطهاد قد أدى إلى خراب التجارة وهجرة أصحاب المهن والطبقات الوسطى، الذين كانوا في غالبيتهم أتباع مذاهب دينية انشقاقية.  لقد أصبحت الدولة قوية لدرجة تمكنها من قبول الاختلاف الديني، ولا تقبل باحتكار كنيسة وطنية واحدة لإرادتها بشكل كامل. فمراسيم التسامح في فرنسا بدءا من سان جرمان 1592 وما تلاه حركها صعود منطق الدولة. انظر ص291
  5. عزمي بشارة. الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط1 2018)، هامش ص 137.

 

المصدر: ضفة ثالثة