تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
25 ديسمبر, 2025

"معجم الدوحة التاريخي للغة العربية": اللغة كأنها كائن حيّ

صوفي عليان

لم يكن إعلان اكتمال مشروع "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" في قطر هذا الأسبوع مجرّد حدث لغوي، أو إنجاز أكاديمي، يُضاف إلى رصيد المؤسسات الثقافية العربية، بل كان لحظة كاشفة عن معنى أعمق للغة بوصفها تاريخًا حيًا، ومسارًا معرفيًا متحركًا، لا مخزنًا جامدًا للألفاظ.
المفكر العربي الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ورئيس مجلس أمناء معهد الدوحة للدراسات العليا، قدّم في كلمته خلال حفل الإعلان، رؤية تتجاوز التعريف التقني للمعجم، لتضعه في سياق مشروع نهضوي طويل النفس، يربط بين اللغة، والتاريخ، والحرية، والمكان.
انطلق بشارة من تعريف دقيق للمعجم التاريخي، ليس فقط كسجل لغوي محايد، بل أداة لفهم النصوص العربية في أزمنتها وسياقاتها، بعيدًا عن إسقاط دلالات الحاضر على الماضي. فالكلمة، كما يبيّن، لا تحمل معناها ثابتًا عبر القرون، بل تتشكل دلالتها داخل سياقات سياسية وثقافية واجتماعية متغيرة، ومن هنا، يغدو المعجم التاريخي ضرورة معرفية، لا ترفًا أكاديميًا، لطالما افتقدها الباحثون العرب وغير العرب على السواء، في مفارقة لافتة مع لغات أقل عراقة امتلكت معاجم تاريخية منذ القرن التاسع عشر.
وبالإضافة إلى أهمية "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" في كونه أداة لغوية فإنه أيضًا إنجاز إبستمولوجي، يعيد تنظيم علاقتنا بالمعرفة من داخل اللغة ذاتها. فالمعجم التاريخي يعرّف الألفاظ بمعانيها الصحيحة أو النهائية، والأهم من ذلك أنه يكشف تاريخ تشكّل المعنى، وتحولاته، وانزياحاته عبر الزمن، ما يحرّر القراءة من إسقاط الحاضر على الماضي، ويُدخل الباحث في أفق تاريخي للمعرفة، ويصبح الفهم مشروطًا بالسياق لا بالمعيار الآني. بهذا المعنى، يضع معجم الدوحة لأول مرة أساسًا علميًا صارمًا لقراءة النصوص التراثية والدينية والفلسفية والأدبية بوصفها نتاج لحظات معرفية محددة، لا خزائن لمعانٍ ثابتة، وتبرز هذه الأهمية إذا ما قورنت التجربة العربية بنظيراتها في الدول الأوروبية، التي أحدثت قطيعة معرفية مع الفهم المعياري للغة، وربطت تطور المعنى بتاريخ الأفكار والتحولات الاجتماعية، وانتقلت من النظر إلى اللغة بوصفها مجموعة قواعد ثابتة ومعان صحيحة يجب الالتزام بها، إلى فهمها باعتبارها كائنًا حيًا يتغيّر عبر الزمن.

"بالإضافة إلى أهمية "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" في كونه أداة لغوية فإنه أيضًا إنجاز إبستمولوجي، يعيد تنظيم علاقتنا بالمعرفة من داخل اللغة ذاتها"

إن غياب معجم تاريخي عربي حتى اليوم لم يكن نقصًا لغويًا فحسب، بل كان فراغًا في البنية الإبستمولوجية للمعرفة العربية الحديثة، وهو الفراغ الذي يبدأ معجم الدوحة بسدّه، واضعًا اللغة العربية، أخيرًا، داخل التاريخ لا خارجه.
ويلفت الدكتور عزمي بشارة في كلمته، إلى أن العمل على المعجم استدعى خوض مغامرة موازية أكثر وعورة، وهي بناء مدوّنة لغوية عربية رقمية ضخمة، جُمعت ونُقّحت ورُقمنت، لتصبح مادة حيّة لمحركات البحث، وقاعدة أساسية لأبحاث إنسانية وعلمية، وكذلك لتطوير تطبيقات اللغة العربية في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي. وهو أمر يمكن النظر إليه على أنه إخراج للغة من إطار الحنين الثقافي، لتدخل زمن التقنية، كلغة قابلة للتجدد والتفاعل، لا عبئًا على التحديث.
وفي مواجهة السرديات الشائعة عن جمود العربية أو اتساع الفجوة بينها وبين اللهجات، يقدّم المعجم تفنيدًا علميًا هادئًا لهذه الادّعاءات، إذ يكشف أن غالبية مفردات اللهجات العربية فصيحة الأصل، وأن المسافة بين الفصحى والعامية أضيق بكثير مما يُروَّج له، وأقل اتساعًا من الفجوات القائمة في لغات عالمية معاصرة. وضمن هذا الإطار، لا يدافع المعجم عن اللغة بخطاب أيديولوجي، إنما ببرهان علمي تراكمي.
يحمل خطاب بشارة وعيًا نقديًا لحدود الإنجاز نفسه، فالإعلان لم يكن عن كمال المعجم، بل عن اكتمال مشروع تأليفه، مع الإقرار الصريح بأنه عمل بشري مفتوح على التصويب والتطوير والتحديث المستمر. هذا الاعتراف، البعيد عن نبرة الاحتفاء المغلقة، يعيد المعجم إلى مكانه الطبيعي: مشروعًا حيًا، لا نصبًا تذكاريًا.
أما تسمية "معجم الدوحة"، فلا تأتي من باب المجاملة الرمزية، بل إنها بمثابة اعتراف بدور المكان الحاضن، وفقًا لكلمة الدكتور بشارة، فالمكان هنا ليس جغرافيا محايدة، بل شرطًا لإمكان الإنجاز. أما في حديثه عن "القوة الناعمة"، فيتجاوز الدكتور بشارة الاستخدام الشائع للمصطلح، ليشير إلى حاجة أي نهضة ثقافية إلى دولة وقيادة توفّران فضاءً لحرية الفكر، وتحميان المشاريع المعرفية طويلة الأمد من التقلبات والضغوط. وفي ظل واقع عربي مثقل بالانقسامات، وتراجع الاهتمام بالثقافة والعلوم، يبدو هذا البعد أشد إلحاحًا من أي وقت مضى.
ولعل أكثر ما يميّز مشروع المعجم، هو طبيعته الجماعية العابرة للحدود. مئات الباحثين من أكثر من خمس عشرة دولة عربية اجتمعوا حول لغة واحدة وتاريخ مشترك، هكذا تستعاد العربية كلغة جامعة، تسكن الوجدان، وتُعيد ترتيب تخيّلنا لتاريخنا، وتمنح حلم النهضة، رغم كل الانكسارات، سببًا إضافيًا للاستمرار.
ختامًا، لا يقدّم "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية" إجابة عن سؤال لغوي فحسب، بل يطرح كذلك سؤالًا ثقافيًا أوسع: ماذا يعني أن نمتلك أدواتنا لفهم لغتنا، وبالتالي فهم تاريخنا، في زمن تتكاثر فيه محاولات تشويه الاثنين معًا؟ ولعلّ الجواب، كما توحي الكلمة، يبدأ من هنا: من لغة تُستعاد بوصفها كائنًا حيًا، لا أثرًا محفوظًا في الذاكرة.


الكاتبة: صوفي عليان
المصدر: ضفة ثالثة - العربي الجديد

 

الكلمات المفتاحية