في الوطن العربي، لم يعد الانتماء مجرد شعور بالارتباط بالوطن، بل أصبح جرحًا نفسيًا عميقًا. المواطن العربي يعيش حالة اغتراب داخلي دائم، بين حلم الدولة وواقعها الغائب، بين حقه في الأمان وغياب العدالة. عبد الرحمن الكواكبي كتب في طبائع الاستبداد: “الظلم لا يقتل الحرية فقط، بل يقتل روح الأمة ويقوض شعور الإنسان بالانتماء إلى وطنه”. هذه العبارة تكشف الحقيقة المرة: المواطن في ظل الاستبداد لا يرى الدولة نحنًا، بل همًا. الدولة، بدل أن تكون حضنًا جامعًا، تتحول إلى آلة قمعية تقضي على أي شعور بالانتماء، حتى يصبح الولاء لها عبئًا ثقيلًا. في مصر، العراق، سوريا واليمن، المواطن يُجبر على الولاء للطائفة أو الحزب أو السلطة السياسية، والانتماء الوطني يتحول إلى خدعة رسمية، شعارات ترفع في المناسبات، وواقع يفضحها كل يوم. الهوية العربية ليست متماسكة، بل ممزقة ومتناقضة. المواطن العربي عربي، لكنه منقسم بين دين، طائفة، عشيرة، أو قبيلة، وهو ما يجعل الانتماء الوطني هشًا وغير مضمون. محمد عابد الجابري أشار إلى مأزق العقل العربي في التعامل مع التراث والحداثة، قائلاً إننا محاصرون بين ذاكرة الماضي ومتطلبات الحاضر. نحن لا نصبح أبناء حاضرنا الكامل، ولا أبناء ماضينا كما ينبغي، وهذا يولد شعورًا دائمًا بالغربة داخل الوطن نفسه. الواقع في لبنان، العراق، وبعض دول الخليج يظهر أن الولاء للطائفة أو القبيلة غالبًا ما يطغى على الولاء للدولة. هذه الظواهر ليست أخطاء سياسية بسيطة، بل أزمة وجودية تكشف غياب الدولة الجامعة والعدالة. الدولة هي العقد الاجتماعي الذي يحمي حقوق الإنسان ويؤسس للعدالة. في الوطن العربي، كثيرًا ما تحولت الدولة إلى أداة قمعية. المواطن يطالب بالعدالة، فيواجه سلطات بلا نزاهة، قوانين بلا احترام، وعدالة غائبة. عزمي بشارة أكد أن الأزمة ليست في غياب الدولة، بل في غياب الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والعدالة. الدولة تطلب الولاء من المواطن، لكنها لا تمنحه حقه في الأمان أو الحياة الكريمة. المواطن يضطر للجوء إلى الطائفة، العشيرة، الحزب السياسي، أو الهجرة، ليحمي نفسه، وهنا ينهار الانتماء الوطني تدريجيًا تحت ضغط الخذلان الرسمي. الهجرة في الوطن العربي ليست فقط هروبًا من الحرب أو الفقر، بل هروب من اغتراب داخلي عميق. المواطن يغادر ليس لأنه يكره وطنه، بل لأنه لا يشعر بأن الوطن يراه أو يعترف بحقوقه. إدوارد سعيد وصف المنفى بأنه انفصال عن الجذور، لكنه أشار إلى أن المنفى يمكن أن يبدأ داخل الوطن نفسه. ملايين العرب يعيشون منفى داخلي دائمًا: شعور بالغربة وسط العائلة، التهميش الاجتماعي، والملاحقة السياسية. عند الانتقال إلى أوروبا أو أمريكا، يجد هؤلاء العرب حماية قانونية واعترافًا بحقوقهم أكثر مما يجدونه في وطنهم الأصلي. المفارقة الموجعة أن الانتماء يصبح هناك أكثر ثباتًا وأمانًا من الانتماء في بلدهم. اللغة العربية والذاكرة الثقافية تبقى آخر ملاذات الانتماء. اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل مرآة للهوية الجمعية والتاريخية. محمود درويش عبّر عن ذلك بقوله إن حب الحياة هو تمرد على القهر، وأن الإنسان يحب الحياة ليثبت وجوده. الأدب العربي الحديث مليء بشخصيات تبحث عن ذاتها في فضاءات غريبة، ويبرز الانكسار الفردي والجماعي. في موسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح، يظهر سؤال الهوية في عالم ما بعد الاستعمار: من نحن إذا فقدنا سياقنا الثقافي؟ كيف يمكن أن نحتفظ بانتمائنا في غياب الدولة وانكسار القانون؟ عند مقارنة الأزمة العربية بتجارب الدول الأوروبية، نجد أن الدول الحديثة مثل السويد أو ألمانيا استطاعت بناء هوية وطنية مشتركة قائمة على المواطنة والعدالة، بعيدًا عن الانقسامات الدينية أو العرقية. المواطن يشعر بالانتماء لأنه محمي بالقانون، ولأنه جزء من مجتمع يؤمن بالمساواة. في المقابل، المواطن العربي غالبًا ما يعيش في مجتمع غائب فيه القانون والمساواة، ومؤسسات الدولة غير فعالة. هذه المقارنة تظهر أن الانتماء لا يُكتسب بالإرادة وحدها، بل يتحقق حين تقوم الدولة بدورها الحقيقي كحاضنة للمواطنين. أزمة الانتماء ليست قدَرًا، بل نتيجة فعلية لغياب الدولة والعدالة والمواطنة. الحل يبدأ بمشروع وطني أخلاقي يعيد تعريف الدولة كفضاء يحمي الكرامة ويكفل الحقوق، لا مجرد أداة للقمع والسيطرة. الانتماء الحقيقي لا يُفرض بالقوة، بل يُكسب بالعدالة والاعتراف بحقوق الإنسان. حين يشعر المواطن أن الدولة تعكس كيانه، سيصبح الولاء اختيارًا واعيًا لا فرضًا اجتماعيًا. عندها فقط يتحول الانتماء من صرخة يأس إلى حقيقة شعورية: أنا أنتمي حيث أجد العدالة والكرامة والحرية. أزمة الانتماء في الوطن العربي ليست مجرد شعور أو ثقافة، بل مرآة أزمة الدولة والقانون والمجتمع. نحن لسنا شعوبًا بلا جذور، بل شعوب بجذور مثقلة بالجراح التاريخية والسياسية. ولسنا بلا هوية، بل بهويات متنافرة تبحث عن مصالحة مع نفسها والدولة الغائبة. ربما لا نحتاج إلى هوية جديدة، بل إلى دولة تستحق الانتماء إليها. دولة تجعل المواطن العربي يقول بفخر: هذا وطني. ليس لأنه وُلد فيه، بل لأنه يجد فيه حماية، اعترافًا، وحقيقة إنسانية كاملة. حينها فقط، يتحول سؤال “لمن أنتمي؟” صرخة يأس تتحول إلى إجابة وعي وطمأنينة: أنتمي حيث أكون إنسانًا كاملًا، لا مجرد رقم في سجل الدولة الغائبة.
الكاتب: داود الجنابي
المصدر: كتابات
تاريخ النشر: 8 شباط/ فبراير 2026
عُرِف عزمي بشارة بإنتاجه الفكري الغزير وأبحاثه المرجعية في مجالات المجتمع المدني، ونظريات القومية وما أسماه "المسألة العربية"، والدّين والعلمانية