في محاضرة لافته للمفكر العربي الدكتور عزمي بشارة في افتتاح منتدى فلسطين الرابع في الدوحة منذ حوالي اسبوعين والتي بثت على القنوات الفضائية والانترنت، تم رصد الواقع الفلسطيني والعربي وتأطير تداعيات الحرب على غزة. الدكتور بشارة لخص المشهد بواقعية، واستشرف مستقبل القضية بشكل يستحق التفكر فيه.
بطبيعة الحال، استهل المحاضر كلامه بالوقوف عند المأساة الإنسانية والسياسية المستمرة في قطاع غزة، وكيف ان هذه الحرب لم تستهدف فقط تدمير بنية المقاومة، بل هي محاولة منهجية لتحطيم مقومات الحياة الأساسية للشعب الفلسطيني، وتهدف إلى «كيّ الوعي» الجمعي وتدفيعه ثمناً باهظاً لتمسكه بحقوقه التاريخية ورفضه لمشاريع التصفية.
في تحليل معمق للتحولات في السياسة الإسرائيلية، أوضح بشارة أن اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يسيطر اليوم على مفاصل القرار، قد انتقل رسمياً من إستراتيجية «إدارة الصراع» وتقليصه التي سادت لسنوات، إلى إستراتيجية «الحسم» من خلال تسريع التهجير، والاستعجال في تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، وتكريس نظام الفصل العنصري في ظل دولة مسيطرة واحدة.
و هنا التفت الدكتور عزمي بشارة إلى الملف الفلسطيني الداخلي، وشخص حالة الشلل التي تعاني منها المؤسسات الرسمية الفلسطينية، موضحا أن استمرار الانقسام بين سلطة في رام الله، وحكم محاصر في غزة هو هدية للاحتلال. وذكر المحاضر الجميع بان منظمة التحرير الفلسطينية هي الإنجاز التاريخي والسياسي الأهم للشعب الفلسطيني، وهي رافعة المشروع الوطني الفلسطيني العابر للاتفاقات والحكومات ومظلة للفصائل كافة، وهو الذي يلتف تحت رايته جميع فلسطيني العالم. بينما الواقع اليوم ان المنظمة تعاني من التهميش والتغييب .فالشرعية الحقيقية لا تُستمد من الاعتراف الدولي المشروط أو من التنسيق الأمني، بل من الالتزام بالثوابت الوطنية، والتمسك بخيار المقاومة الشعبية والسياسية، وصياغة الاطر الاستراتيجية للاهداف الوطنية الجامعة. منظمة التحرير ليست إرثاً من الماضي، بل يجب أن تعود مرة اخرى، وبعنفوان، مظلة للمستقبل تضم الجميع دون استثناء.
و هنا طرح الدكتور بشارة تصورا مفاده اجراء فصل ما بين الجهات الادارية والمجتمعية الفلسطينية التي لا بد ان تنسق مع اسرائيل من اجل ضرورات الحياة اليومية من خدمات وغذاء وعلاج وتعليم ولوجستيات على الارض، وما بين المؤسسات التى تعنى بالمشروع الوطني العام والذي يهم كل الفلسطينيين في الداخل والخارج.
و هنا اشار الدكتور بشارة الى ضرورة ان نتذكر أن غزة أحدثت زلزالاً في الوعي العالمي، خاصة لدى جيل الشباب والطلاب في الغرب. وعلينا ان نستثمر رأس المال الأخلاقي هذا بشكل ممنهج لعزل إسرائيل دولياً وفرض عقوبات عليها، كما جرى مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. فمع كل الدمار والخسائر، فان فلسطين عادت لتكون بوصلة الضمير العالمي. والقضية الفلسطينية استعادت مركزيتها كأعدل قضية تحرر في العصر الحديث. وبالتالي، فإن أي محاولات للالتفاف على هذه التضحيات الجسام عبر تسويات أمنية فقط لن تنجح أمام وعي الجيل الجديد.
الكاتب: المحامي معن عبد اللطيف العواملة
المصدر: جريدة الدستور الأردنية
نشر في: 8 شباط/ فبراير 2026
عُرِف عزمي بشارة بإنتاجه الفكري الغزير وأبحاثه المرجعية في مجالات المجتمع المدني، ونظريات القومية وما أسماه "المسألة العربية"، والدّين والعلمانية