Skip to main content

المدينة الغائبة

2018-02-10

د. عزمي بشارة


هذه المقالة هي مقتطف من كتاب المفكر العربي عزمي بشارة، "الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى" صدر في 1998، أو بالأحرى، هي مقال منفصل وضعه الكاتب كمقدمة للكتاب. ويظل استدعاء هذا المقتطف مهما مع كل ما يتكرر ويتواصل اليوم من ظواهر سياسية واجتماعية تشير إليها هذه المقالة، إضافة إلى الأسئلة المتكررة عن واقع الفلسطينيين في إسرائيل.

 في هذا المقتطف إشارة مهمة إلى ظاهرة لم تعالج بحثيا إلا بمرور سريع وبدون تخصيص، أي ظاهرة غياب المدينة الفلسطينية الجامعة عند المجموعة العربية القومية في إسرائيل، وهي مدخل لفهم ظواهر أخرى متصلة ومحل نقاش طويل، مثل تعطيل بلورة الهوية الفلسطينية المستمر، والعوائق أمامها.

 _______________________________

"ربما كان المميز السوسيولوجي الأساسي للجماعة القومية العربية التي تعيش في إسرائيل، هو في غياب المدينة. لقد بقي هذا الجزء من الشعب الفلسطيني على أرضه في هوامش الريف الفلسطيني، بعد أن حطم قيام إسرائيل مشروع المدينة الفلسطينية، ومشروع الطبقة الوسطى الذي بدأ ينسج حلمه في القدس ويافا وحيفا بين الحربين العالميتين.

فقد الريف الفلسطيني، الفقير والهامشي والذي بقي على الأرض، أرضه الزراعية وأُخضع للاعتبارات الايدولوجية الصهيونية في التخطيط. وأهمها تقطيع تواصله الجغرافي ومنع تطور أكثرية عربية في أية منطقة جغرافية محددة، وذلك بنشر الاستيطاني الزراعي والصناعي وإقامة المدن اليهودية.

ورغم فقدان الأساس الاقتصادي الزراعي لوجود القرية العربية، إلا إنه لم تتطور ظاهرة هجرة من الريف العربي إلى المدينة اليهودية. ولذلك تطورت عبر السنين ظاهرة القرية العربية الكبيرة، التي تتحول إلى مدينة أو بلدة يسكنها عشرات آلاف الناس، وليس فيها من مقوّمات المدينة إلا التسمية، وهي تعتمد اقتصاديا إلى حد بعيد على المدينة اليهودية التي يعمل فيها الأجراء العرب، ويعودون للنوم في قريتهم الكبيرة.


غياب المدينة يعني غياب المركز الثقافي الموحد، غياب الجامعة والمكتبة الوطنية والمسرح القومي ودار النشر الوطنية ومقاهي المثقفين، غياب المجتمع الفردي، والطبقة الوسطى المبلورة حول مطامح سياسية ومشروع سياسي قومي. غياب المدينة يعني غياب المجتمع المدني.

قد يرضى المواطن العربي بوجوده في هامش ومحيط المدينة اليهودية، طالما توفرت فسحة من الحياة المادية والحقوقية، وعند ذلك تنشأ لدى العربي ثقافة الهامش التي يتم أدلجتها أيضا. وقد يرتد المواطن العربي إلى ريفه المفقود، فيؤمثله محولا الوطنية إلى نوع من الفلوكلور المتمسك بما اندثر وفقد وظيفته الاجتماعية، أي يؤدلج الريف ويحوله إلى نوع فظ من الوطنية الرمزية.

وقد يخلق غياب المدينة الحاجة إلى مشروع سياسي مدني، يعوض غيابها بالسعي لإقامة مركز قومي للحياة السياسية والثقافية، ويوفر من عناصر المدينة هذا الجمع بين فكرة المواطنة والفكرة القومية، منتقلا من إقامة فكرة المدينة (المشروع السياسي القومي، المشروع الثقافي، الانطلاق إلى المساواة من مبدأ المواطنة المتساوية، التناقض مع الصهيونية على مسرحها هي، وليس بالارتداد إلى الماضي) إلى إقامة المدينة ذاتها.

وبغياب المدينة، تبرز المدينة اليهودية، التي باتت تحوي بالنسبة للمواطن اليهودي كافة العناصر المذكورة أعلاه، لتشكل قطب جذب وطرد للعربي في الوقت ذاته؛ العربي الذي ترفضه المدينة اليهودية ويعجب بها دون أن تكون مدينته، وقد تحول إعجابه إلى عقدة نقص وكراهية في الوقت ذاته.

 المدينة اليهودية هي الواقع الحداثي الوحيد الذي يعرفه المواطن العربي في إسرائيل، لأنه لم يكن قادرا على الانضمام لمشاريع الحداثة العربية، فهو لم يشارك لا في الحلم ولا في الخيبة، ولا في الوهم ولا تحطيم الوهم.

عندما تتخلى النظرية الاجتماعية عن تشخيص خصوصية الحالة، فإنها تفقد القدرة على التمهيد لمشروع سياسي يطرح البدائل للواقع المعاش، انطلاقا من دينامية هذا الواقع. لقد فرض التحديث على العرب في إسرائيل فرضا، دون أن تقوم عندهم مدينة حديثة، ودون أن يشارك العرب في مراكز الحداثة الإسرائيلية السياسية منها والعلمية والثقافية والاقتصادية.

يستهلك العرب نتائج هذا التحديث سلبا وإيجابا، ولكن لا تنشأ لديهم مراكز انتاج هذه الحداثة. ونحن نبين في مكان آخر في هذا الكتاب أنه حتى الأدوات الديمقراطية القائمة والتي صُنعت لليهود في ديمقراطية اليهود، والتي يبدو وكأن العرب يحسنون استخدامها، حتى هذه الأدوات لا يتم تذويتها وتبقى العلاقة معها أداتية فحسب.

لقد فقد المجتمع العربي في إسرائيل الجماعة العضوية المتماسكة، ولم تقم المدينة مقامها. ولذلك وأمام خطر تذرير الأفراد، يعاد إنتاج الجماعة العضوية لتؤدي الحمولة (وربما الطائفة) وظيفة أيدولوجية بدلا من العقد الاجتماعي القومي بين الأفراد الأحرار.

لم تستوعب المدينة العربية التجارية، عملية التحديث في الوطن العربي، ولم تولد طبقة وسطى منتجة. ولم تقترح هذه المدينة بدائل ديمقراطية للريف، فتم ترييفها اصطناعيا بأحزمة الفقر. أما تحديث الأقلية العربية في إسرائيل قسريا فقد تم في غياب المدينة. ولذلك من الصعب أن نعتبر تجربة العرب في إسرائيل مفيدة نظريا للتجربة الديمقراطية في الوطن العربي، مع ذلك بالإمكان الاستفادة من بعض عناصر هذه التجربة، التي تؤكد على أهمية الهوية القومية وخطورة وقوعه في أزمة، وإسقاطات هذه الأزمة على النسيج الاجتماعي المذرر، والذي ما يلبث أن ينجب أيدولوجيات ما قبل قومية كبدائل لأزمة الهوية.

وقد يستفيد القارئ العربي من جدلية المواطنة والهوية القومية التي تتضمنها هذه التجربة، رغم أن المواطنة التي يجري الحديث عنها في هذا الكتاب هي المواطنة الإسرائيلية المتصارعة مع الهوية العربية في وحدة نقائض هي واقع العرب في إسرائيل.

لا نريد أن نحمل واقع العرب في إسرائيل أكثر مما يحتمل، ولكننا نعتقد أن هناك قضية ثالثة بالغة الأهمية وذات فائدة للقارئ العربي المهتم بعملية التحول الديمقراطي، ألا وهي أولوية السياسية.

يدفع الواقع المادي الاقتصادي والواقع الحقوقي في إسرائيل، والنضالات الطبيعية المترتبة عنها جميعا باتجاه الأسرلة. ولو تم الاستسلام لهذا الواقع لكانت الغلبة حتما للشق الإسرائيلي من التناقض، حتى على حلبة هوية معركة المساواة، فقد تتأسرن معركة المساواة ذاتها فتتحول إلى مطلب الاندماج على هامش الدولة العبرية. ويشهد واقع العرب في إسرائيل كما نشخصه في هذا الكتاب، أن الإمكانية الوحيدة لإحداث التحول عن هذا المسار، هي القادمة من مجال الفعل السياسي والثقافي، الذي يحاول أن يواجه إسقاطات الواقع على الهوية السياسية والثقافية المشوهة، بالنضال من أجل الهيمنة الثقافية لمشروع سياسي قومي وديمقراطي".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن كتاب "الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى" عزمي بشارة – مؤسسة مواطن – رام الله - 1998

هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات نشرت في فترات زمنية متباعدة نسبيا. وهي بذلك تعبر عن تطور فكري متدرج في فهم واقع ومستقبل ذلك الجزء من الشعب العربي الفلسطيني الذي يعيش في إطار المواطنة الإسرائيلية داخل الخط الأخضر.

بالإمكان تصنيف المقالات نظريا تحت باب الجدلية بين الهوية القومية والمواطنة. وهنا تكمن مساهمتها النظرية في موضوع الديمقراطية. والمجال الذي تطبق فيه النظرية الديمقراطية هنا هو أحد اكثر الحقول تركيبا ووعورة من حيث التناقضات التي تحدد طبوغرافيتيه، إلا وهو حقل العلاقة بين المواطنين العرب في إسرائيل كأقلية قومية وبين مواطنتهم في الدول العبرية. ولا تحاول الدراسات المختلفة في الكتاب أن تتجنب التناقضات التي تحدد طبوغرافيته، ألا وهو حقل العلاقة بين المواطنين العرب في إسرائيل كأقلية قومية وبين مواطنتهم في الدولة العبرية. ولا تحاول الدراسات المختلفة في الكتاب أن تتجنب التناقضات أو تتجاهلها أو تدعي غيابها، بل تتعامل معها كجزء من الواقع، وتحاول أن تبحث عن قوى الهدم القائمة في هذه التناقضات وعن قوى التطور أيضا، في محاولة لاستثمارها سياسيا.