Skip to main content

عزمي بشارة: "الجيش والسياسة" مدخلًا لفهم الدولة الوطنية العربية

2018-02-24

 

عز الدين التميمي

 

يقدم المفكر العربي عزمي بشارة، في كتابه "الجيش والسياسية... إشكاليات نظرية ونماذج عربية" الصادر قبل أيام عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في الدوحة، تأريخًا مكثفًا لإشكالية العلاقة بين الجيش والسياسة في نماذج عربية، محاوًلا الاستناد على هذا التكثيف في فهم مآلات ما حدث فيها بعد عام 2011.

تنطلق معالجة الكتاب من افتراض أساسي مفاده أن فهم دولة ما بعد الاستقلال العربية، شكلها وأطرها وأنظمتها السياسية، إضافة إلى فهم الثقافة السياسية ومآلات التحول الديمقراطي فيها، لا يجوز بدون الانطلاق من العلاقة بين الجيش والسياسة.

ويتوزع الكتاب الذي عنون بـ"الجيش والسياسية... إشكاليات نظرية ونماذج عربية" على ثلاثة فصول، الأول نظري، يعالج إشكالية الجيش والسياسة فلسفيًا، ويختبر مقولات نظرية مختلفة في فهمها. بينما يتطرق الفصلان الثاني والثالث لنماذج عملية، بدءًا بمصر وانتهاء بسوريا.

في الفصل الأول، تحت اسم "الجيش والحكم عربيًا؛ إشكاليات نظرية"، ينطلق بشارة من تعريف الجيش باعتباره ظاهرة حِرفية، وباعتبار المنتسبين إليه مجموعة من المحترفين المتفرغين للمهنة، والمتصفين بها، يعملون فيها في وقت الحرب والسلم. وبالتالي فإن تعريف الجيش، في ظاهرته المعاصرة على ما يبدو، لا يتضمن أولئك الذين يخدمون مقابل مكافآت معينة في أوقات الحروب أو الأزمات، ولا أولئك الذين يتطوعون لفترات، ولا حتى جيش الاحتياط. وهذا التعريف بدا ضروريًا ومتسقًا مع تطلعات الكتاب لفهم ظاهرة إشكالية وواسعة مثل الجيش، وتأطيرها نظريًا.

يبدأ الكتاب من الجيش الانكشاري التركي، باعتباره الجيش الأول في التاريخ الذي تضمن التعريف المذكور. ومع أن تجربته سبقت الأطر المنظمة للجيش في الدولة الحديثة، وسبقت فكرة الولاء الكامل للوطن، إلا أنه تميز بروابط أساسها ولاء مطلق للسلطان، وبكون المنضمين له تعرضوا لعمليات تربية وتثقيف على هذا الولاء، فكانت حياتهم جميعها مصممة بما يتلاءم مع الوظيفة، وساعد في ذلك كون معظمهم أسرى وصبية ومخطوفين. مع ذلك، فقد انقلبت تبعية هذا الجيش للسلطان، عليه، وصار لاحقا عبئا من الأعباء التي تواجه الدولة العثمانية.

إن فكرة خروج الجيش عن مساره المفترض إذًا، أي تدخله في شؤون الدولة الداخلية، قديمة قدم تجارب الجيوش النظامية الأولى، وقدم التصورات النظرية الأولى حول العلاقة بين الجيش والسياسة. وهو ما يستشهد لأجله الكاتب بمفهوم "حرس المدينة" عند أفلاطون، وباحتمال تدخلهم في السياسة الوارد دائمًا. وبالتالي، فقد ارتبط التفكير بالدولة/المدينة المثالية، غالبًا، بالتأكيد على ضرورة الفصل بين الوظائف المختلفة، وبأن اختلاف هذه الوظائف مفسدة كاملة لها.

فيما تلا ذلك، وتحديدًا مع بداية فترات التحديث العثمانية، استطاع السلطان محمود الثاني، القضاء على النفوذ الانكشاري، وبالبدء في تأسيس نواة لجيش حديث حسب نماذج أوروبية. مع ذلك، لم يتحول ولاء الجيش إلى ولاء إلى الوطن، وهو مفهوم لا يبدو أكيدًا أنه كان قد تبلور بصورته الحالية بعد، ولكن ولاء الجيش عاد إلى السلطة مرة أخرى. الفرق الذي يسوقه الكتاب بين التجربتين، أن الجيش لم يعد مواليًا للسلطان باعتباره فئة اجتماعية، ولكن باعتباره جيشًا حديثًا.

لقد سمحت هذه التجربة بنوع من انتفاء الفوارق الطبقية والعائلية بين الجنود، على عكس التجربة الغربية والألمانية تحديدًا، ولم يعد هناك خلفيات طبقية أو عائلية مشتركة بين الجنود أو الضباط. ولولا ضعف الدولة، التي كانت ذاهبة إلى الانهيار، لكان الجيش فرصة حقيقية لصهر وعي كامل وجديد بالأمة العثمانية.

ولأن الجيش، باعتباره مجموعة موظفين مرة أخرى، كان المتضرر الأول بنتائج الفشل الاقتصادي، ومع تأثره بموجات التحديث والتغريب، زاد توقه نحو دور إصلاحي في الدولة وصولًا إلى الانقلاب الدستوري في 1909 - 1908. 
ومع دخول المؤسسات التعليمية، التي كانت مرتبطة بالجيش، وإنشاء أولى المدارس والكليات لغايات عسكرية. تبلورت التنظيمات السياسية والسرية داخل الجيش، ما ساهم بتعزيز الطموح السياسي.

للوهلة الأولى، يبدو استعراض الكتاب للتجربة العثمانية، مرتبطًا بكونها التجربة الأولى النظامية للجيش، لكنه وإن كان سببًا مهما، فإنه كما يتضح لاحقًا، ليس سببًا وحيدًا، إذ إن أهمية الانطلاق من تاريخ هذا الجيش، أساسها خروج "العسكريات الجديدة التركية والعربية الأولى في المشرق من رحم هذه المؤسسة العسكرية التنظيماتية" (ص19). ومع أن التصورات الانتدابية عن المجتمعات العربية، خصوصا التصورات حول الطوائف والديانات، تحكمت في شكل وبنية الجيوش العربية التي تأسست في خضم الاستعمار، إلا أن فصله عن تطور المسار العثماني ليس سهلا. وتبدو رواسب التجربة العثمانية أبقى من رواسب تجارب أخرى.

في ما بعد، يعود الكتاب إلى المجادلة الأساسية، التي يدور حولها الفصل الأول، أي الجيش باعتباره مهنة. مؤكدًا على الفوارق بين التصورات التي ينطلق منها، وبين مجموعة من المعالجات الأميركية "المحافظة" حول الجيش والسياسية والمهنية. وتحديدًا يواجه واحدة من أوائل المقولات التي عالجت فكرة الجيش كوظيفة لها "أخلاقيات" خاصة، والتي أسس لها صاموئيل هنتنغتون.

إن الفرق بين مقولة الكتاب وتلك التي ينطلق منها محافظون أميركيون، ومنهم هنتنغتون، في أن الأولى لا تفعل كما تفعل الثانية في التعامل مع المهنية باعتبارها حكمًا أخلاقيًا. أي باعتبارها مجموعة قوانين حميدة، يكون مسار الجيش مثاليًا إذا التزم بها. وبالتالي فإن الكتاب يستبدل مفهوم الأخلاقيات بمفهوم الأعراف، وهو بذلك يؤكد أن الدولة الديمقراطية تواجه أزمة حقيقية مع الجيش المنظم الذي تنتجه.

إن الادعاء أن الالتزام بالقوانين أو الطاعة المطلقة هي ممارسات أخلاقية، سيطرح أسئلة أولية وضرورية على قبيل: ماذا مثلًا عن الالتزام بأوامر القتل والإبادة؟

إن مجادلة بشارة هنا، لا تنكر كون الجيش قائمًا في أحيان كثيرة على مغارم غير أخلاقية، مثل العنف الفائض في التدريب من أجل تطويع الجندي وإلغاء فرديته، ومثل كون الجيش مؤسسة ذكورية قائمة على تصورات خاصة تجاه القوة والمرأة.. إلخ. وكذلك فكرة الطاعة الضرورة لأوامر غير أخلاقية.

إن التصورات الأميركية، التي كانت جزءًا من حقبة الحرب الباردة، وكانت محاولة صارمة للدفاع عن الجيش الأمريكي وعن الانتصار، ليست منهجًا كونيًا، كما يعنون الكتاب أحد مباحثه. فيستغرب الكاتب من التعامل مع ما قدمه هنتنغتون وسواه باعتباره مقولة نظرية فوق تاريخية، وخارجية عن السياق التاريخي الخاص بها، أي الحرب الباردة.

إن الحل النظري الذي يقترحه الكتاب هنا، يتبلور في استبدال مفهوم المهنية المحافظ والقائم على أحكام أخلاقية إيجابية تجاه القوانين والالتزام بها، بمفهوم الاحتراف المنفصل عن هذه الأحكام والذي يمثل نوعًا من الوصف المجرد، والعلمي ربما. أي الاستغناء عن مفهوم المهنية المحمل بأبعاد أخلاقية، بمفهوم الاحتراف الذي يفهم باعتباره وصفا منهجيا لا أكثر. 

أما الحل العملي، الذي تستطيع الديمقراطيات من خلاله النجاة من العواقب المذكورة سلفًا، هي تثقيف القوات المسلحة على "الولاء لبعض قيم الديمقراطية غير الناشئة تلقائيًا عن (المهنية العسكرية)"، التي تجعل التدخل في السياسة موقفًا نبيلًا أحيانًا، مثل حالة الانقلاب في مصر في عام 2013، وتجعل العزوف عن التدخل والابتعاد الكامل عن الشأن العام نبلًا في مواضع أخرى، مثل حالة تونس وحالة جمال عبد الناصر جزئيًا. وفي الحالتين، يتحكم الصراع بين الأمن وبين الجيش وتفضيل السلطة لإحداهما في هذا المسار.

إن الحل يتبلور إذا في اعتقاد مشترك بين الجيش والمجتمع، بقيم محددة، و قيم الديمقراطية بشكل خاص. وهذا هو الحل الوحيد الذي يمكن الاستعاضة بـ"مهنية المحافظين الأمريكيين" من خلاله.

لكن الكتاب يعود ويسأل مجددًا عن هل كون هذا الفصل، بين الجيش والسياسة، ممكنًا؟  تبدأ الإجابة على ما يبدو، من أن الوظائف نفسها، أي وظيفة الجيش المتمثلة بالأمن، ووظيفة السياسة المتمثلة بالإدارة، متصلان بحكم تعريف الجيش نفسه (وأضيف هنا بحكم تعريف الدولة الحديثة أيضًا). والمأزق بالتالي، في إضافة مهمة تحسب للكتاب، ليست في التقاطع بين من يقومون بهذه الوظائف مثل أن يكون وزير الدفاع عسكريًا، وحتى زعيم الدولة، ولكن في التقاطع بين الوظائف نفسها. إن الدولة الحديثة قائمة في جزء منها على اعتبار الأمن شأنًا سياسيًا كاملًا. وهو ما يجعل التقاطع بنيويًا وعامًا. وليس الحديث، على ما يبدو، عن الإدارة بدون أمن أو عن الأمن بدون إدارة منطقيًا. خاصة بعد صعود مفهوم الإرهاب وتحول مفهوم الأمن إلى ركيزة أساسية في تعريف الدولة لنفسها.

إن كون الجيش مسيسًا بالضرورة، لا يعني أن يكون محزًبا. فالأولى قد تعني أن يمارس القادة نوعا من أنواع التسيس كأي مواطنين، لكن التحزب ينطوي على مأزق أكبر من التقاطع بين الوظائف المذكورة، ويجعل لهذا التقاطع نتائج ترتبط غالبًا بهيمنة كلية للنظام.

تبدو معظم النماذج العربية، التي غاب فيها احتمال الانقلابات من عقود مع أنها دول انقلابات، أقرب إلى خيار الجيش المحزب لا المسيس فحسب. لكن كيف يمكن تفسير انقلاب الجيش المصري الذي خاضه عبد الفتاح السيسي في عام 2013؟ وكيف يمكن تفسير الانقلاب في الجزائر في التسعينيات؟ إذا كان الجيش محزبًا وخاضعًا فلماذا شكلت مصر والجزائر استثناء؟

الجواب في أن مصر والجزائر لم يكونا استثناء على الحقيقة. فشكل الانقلاب التقليدي، أي أي أن ينقلب الجيش على النظام لم يحدث في كلا التجربتين. ما حدث هو انقلاب النظام نفسه على عملية التحول الديمقراطي لا أكثر. أي استعادة جزء من النظام لما تنازل النظام مضطرًا عنه، وهو يختلف بالضرورة عن شكل الانقلاب التقليدي، الذي يقوده ضباط من رتب متوسطة غالبا ضد النظام كله إما لإسقاطه أو لإسقاط الحاكم.

ولا يعبر مفهوم الانقلاب بالنسبة للمؤلف كما هو رائج، عن معنى سلبي، كما لا يعبر مفهوم الثورة عن معنى إيجابي. إن الفرق بين المفهومين منهجي لا أكثر، ولم تثبت أي تجربة أن الثورة أكثر كفاءة من الانقلاب في الوصول إلى نظام ديمقراطي. الفرق هو إذًا في كون الانقلاب (الذي قد يكون من أجل تغيير النظام أو الحفاظ عليه) يأتي بحراك من داخل السلطة. بينما تجيء الثورة بحراك من خارجها.

فيما يلي ذلك، واتصالًا مع معالجة الكتاب لمفهوم المهنية، عند بعض البحاثة الأمريكيين، يختبر المؤلف مقولة "الدولة الثكنة"، أي الدولة التي تتم فيها عسكرة المجتمع كاملًا، من خلال تحكم نخبة عسكرية بصناعة القرار، وصولًا إلى التعبئة الشاملة، التي تصير فيها كل مؤسسات المجتمع، بما في ذلك المؤسسات العلمية والمدنية والدينية، مجندة من أجل أهداف أمنية، أو معارك مع الأعداء. وهو نموذج حسب مقترحه، هارولد لاسويل، متعلق غالبا بالدولة المتطورة والصناعية، لارتباطه بتطور التقنيات الأمنية.

وعلى العموم، فإن بشارة، يدعي أن كلا المفهومين، أي مفهوم الدولة الثكنة التي تفترض سيطرة كاملة للنخبة العسكرية في الدول المتقدمة، ومفهوم المهنية، الذي يفترض انفصالًا كاملًا في الوظائف في الدول نفسها، لم يتحققا في أي دولة. فما حدث فعلا قائم على جدل بين المفهومين، أي على تمدين الحياة العسكرية من خلال دخول قيم المواطنة إلى عالم العسكر من خلال القوانين والنضالات الاجتماعية، وعسكرة مجال المواطنين من خلال دولة البوليس وفرض تقنيات سيطرة جديدة. فحصل "تأثير في الاتجاهين: عسكرة وتمدين، أصبح الجندي مواطنًا أكثر، والمواطن أكثر تأثرًا بـ التجييش في المجتمع الجماهيري" (ص48).

في السياق العربي، الذي هو موضع مجادلة الكتاب، كان المأزق الأساسي في انتفاء هذا التفاعل الجدلي، وهو مأزق تجلى، وعلى عكس افتراض لاسويل، "بضعف المؤسسات وعدم تمكّن المجتمع من إنتاج وحدته بالتفاعل الجدلي مع مؤسسات الدولة". (ص49).

وفي نفس الوقت، يواجه الكتاب المقولات الأوروبية، التي افترضت أن الجيش في دول المشرق، يمارس نوعًا من سلوك الطبقة الوسطى، بل ينوب عنها، وهو متصل مع افتراض المدرسة الأمريكية المحافظة أن الجيش يلعب دورًا تنويريًا. وهو ما لا يجده بشارة مقنعًا، إذ إن الجيش وإن كان أكثر تحديثًا، وحتى لو كان مكانًا مميزًا للحراك الاجتماعي ولجذب أبناء الريف والمهمشين، فإنه لا يحمل قيم الطبقة الوسطى ولا بنيتها. وأساس الفرق، أن كل نزعة تحديث حملها الضباط المنقلبون على وجه التحديد، كانت نزعة تحديث من الأعلى. واعتمدت في ذلك على المؤسسة الفاسدة التي انقلبوا عليها. على خلاف الطبقة الوسطى التي يفترض منها أن تمارس نوعًا من التحديث من الأسفل، يعتمد على مؤسسات مدنية.

إن مقولة الكتاب تتبلور هنا بشكل واضح، وعلى النقيض تماما من ادعاء هنتنغتون والمدرسة الأمريكية المحافظة، في أن تفسير ظاهرة تدخل الجيش في السياسة، والانقلابات كأكثر أشكال هذا التدخل تطرفًا، مرتبط بتعريف الجيش نفسه. "إن الطبيعي ليس عزوف الجيوش عن الحكم، بل تدخلها فيه، ولذلك فإن ما يحتاج إلى ترتيبات ممأسسة هو عدم تدخلها" (ص 65). وهو ما تجاهلته المدرسة المحافظة، التي حاولت تفسير ظاهرة التدخل من خلال كل شي إلا الجيش، وباعتبارها ظاهرة نقيضة للتطور.

الحالة السورية: بروز الولاءات ما قبل الوطنية في الجيش

استطاع المجتمع السوري تجاوز مآزقه الطائفية التي تعاقبت في فترة الإصلاحات الإصلاحات العثمانية، من خلال التعامل مع مواجهة الاستعمار باعتبارها رافعة للوحدة الوطنية، ومن خلال مجتمع أحزاب ومجتمع مدني فاعل ومدرك في معظمه لرغبات التقسيم الاستعمارية. لكن عسكرة الدولة من خلال عسكرة حزب البعث بعد وصوله وتفرده بالسلطة، أدت إلى عودة الاصطفافات الطائفية مجددا بعد انقلاب عام 1963.

من أجل رصد هذا التحول، يعرض الكتاب ما مرت به عملية تحزيب الجيش السوري، وهي خمس مراحل. المرحلة الأولى حسب تصنيف الكتاب، هي من الاحتلال الفرنسي إلى سوريا حتى الجلاء. وهي مرحلة اتسمت بفرض التصورات الانتدابية على المؤسسة العسكرية، وكان السوريون المشاركون في الجيش الفرنسي، وكان يطلق عليهم جيش الشرق، موزعين حسب الانتماءات الإثنية. إن مأزق الجيش السوري في سوريا بعد الاستقلال بالنسبة للكتاب، في أنه ورث جيش الشرق وحمل رواسب تجربته، وهو مأزق بنيوي في الدولة الوطنية العربية على أية حال.

وفي المرحلة الثانية، التي أطلق عليها الكتاب اسم "مرحلة الكتل العسكرية العقائدية والجهوية المتصارعة"، كانت الانقسامات داخل التنظيم العسكري الذي شكله تحالف الشيشكلي والحوراني انقسامات على أساسات سياسية لا طائفية، وهدد هذا الانقسام المؤسسة العسكرية السورية حتى الوحدة مع مصر. إذ قبلت الأطراف كلها اقتراح عبد الناصر بفصل الجيش عن الحزبية وعن العمل السياسي. 

"لكن هذا القبول كان موقتًا؛ فما إن شرع عبد الناصر في تفكيك تلك الكتل وإحالة رموزها إلى مواقع مدنية، أو إلى مواقع أخرى في الجيش الثاني في مصر، حتى  تكتلت ضده من جديد" (ص 113). وصارت إجراءات عبد الناصر التي ساهمت سابقًا بانتهاء الانشطار السياسي، عاملًا في تشكيل انشطار على أساس طائفي هذه المرة وإن بشكل غير مباشر. حيث كان أبرز المتكتلين من تنظيم البعث، الذي أسس اللجنة العسكرية السرية في مصر، وكان معظم مؤسسيها من المنحدرين من الطائفة العلوية والإسماعيلية.

اعتمد عبد الناصر بعد ذلك على "الضباط الشوام" لابتعادهم عن الاصطفافات الحزبية والمؤامرات، لكنها سرعان ما أخرجت مجموعة الضباط التي قامت بحركة الانفصال في 28 أيلول عام 1961. وبدأت هذه الكتلة صراعها مع الضباط البعثيين المتبقين. وبدأت التنظيمات السرية والاصطفافات والتحالفات، التي كانت على أساس سياسي غالبا وجهوي أحيانا، أو على أساس الروابط التقليدية بين الضباط مثل علاقة أبناء الدورة الواحدة.. إلخ.

وصار هناك فيما بعد، عاملان آخران في التقسيمات، وهما الانتماءات الناصرية الوحدوية والشامية. وعلى الرغم من أن الاصطفافات الناصرية والبعثية، قامت على نوع من الأغلبيات الإثنية. فكان معظم البعثيين منحدرين من الطائفة العلوية، وكان معظم الناصريين والضباط الشوام من الطائفة السنية، إلا أن الادعاء أن اصطفافًا طائفيًا واضحًا كان موجودًا ليس مقنعا في تلك الفترة. ولم تطرح أي من التكتلات نفسها على أساس طائفي.

يمكن الادعاء حسب الكتاب، أن مرحلة دخول الجيش السوري في اصطفافات طائفية واضحة، وفشله بالتالي أن يكون مؤسسة وطنية جامعة، بدأت مع انقلاب جاسم علوان الفاشل بعد فشل ميثاق الوحدة الثلاثية بين مصر والعراق وسوريا. وسيطرة البعث وتفرده بالسلطة.

لقد انتقل الصراع بعد تفرد البعث بالسلطة إلى صراع بين فئات داخل الحزب نفسه. "وأدى احتدام  الصراع إلى زيادة وتائر التكتل والتجمع والاصطفاف، واستثمار العوامل الجهوية والشخصية والطائفية في الاصطفاف" (ص115). مع عام 1965، تبلورت الطائفية بشكل صريح في الجيش السوري، خاصة مع دخول مجموعات جديدة فيه كان معظمها علويا. وتحول الجيش بشكل تدريجي إلى جيش "أقليات". وتحول الصراع البعثي البعثي إلى صراع سني علوي، متقاطعًا مع الصراع ضد الموالين للقيادة القومية البعثية. وحسم هذا الصراع بعد انقلاب 1966، وتم تصفية القيادات الموالية للقيادة القومية وكان معظمهم من السنة، وجعلت هذه التصفية الجيش جيش أقليات بامتياز. "وعبرت حركة 23 شباط/فبراير 1966، على الرغم من خطابها اليساروي الذي يصوغ الخلاف بتعابير يميني ويساري، عن استقطاب ريفي - مديني، وعلوي- إسماعيلي- درزي. يضاف إليه وزن فلاحي درعاوي في مقابل المتحدرين من المدن السورية الرئيسة، وهو صراع شديد التركيب، ليس طبقيًا أو طائفيًا أو جهويًا أو أيدولوجيًا أو سياسيًا محضًا  فحسب، بل هو هذه العناصر كلها معًا" (ص116).

وللمفارقة، فقد ساهم التحالف الذي أطلق عليه وقتها تحالف "العدس" أي العلوي الدرزي الإسماعلي، في سيطرة الريف السوري على المدن السنية المهمشة، لأول مرة في التاريخ السوري الحديث.

أما المرحلة الثالثة، وهي المرحلة الأولى للجيش العقائدي، فقد تم تحزيب الجيش، أو تبعيثه على وجه الدقة، وتم اعتبار كل من رفض هذا التحزيب، لدواع مهنية أو غيرها، رفيق سلاح لا رفيق عقيدة. في هذه الفترة تحديدًا تم القضاء على رفقاء السلاح، أو إحالتهم إلى وظائف هامشية وغير عسكرية، وبحلول النصف الثاني من الثمانينيات، صار يمكن الحديث عن جيش بعثي كامل. وبالاتساق مع تحول الجيش إلى مؤسسة بعثية، كانت تتحول إلى مؤسسة علوية أيضًا. حيث تم تصفية معظم الضباط الدروز بدءًا من محاولة الانقلاب الفاشلة التي قادها سليم حاطوم، وتراجعت أعداد الضباط المنحدرين من الطائفة الإسماعيلية بعد صراعات الخامس من حزيران عام 1967. 
ويمكن القول إن الصراع الدائم داخل الجيش السوري، آل أخيرًا إلى صراع بين مكونات علوية، مع الاستعانة بالضباط السنة والمسيحيين المتبقين، الذين مالوا آخر ما مالوا إلى فرقة حافظ الأسد، مقابل فرقتي صلاح جديد الذي كرهوه وكرهوا سياساته، ومحمد عمران. وكان قربهم مع الأسد محاولة لمقاومة مشاريع تحطيم المدن السنية الداخلية وفرض سيطرة الريف التي كان يقودها صلاح جديد. ووفرت كل هذه العوامل وثوبًا يسيرًا لحافظ الأسد إلى السلطة.

في المرحلة الرابعة، وهي "المرحلة الثانية للجيش العقائدي"، كان الأسد يحضر مع السادات لحرب أكتوبر، وتحولت سوريا من خلال الجيش إلى دولة إقليمية نتيجة التدخل في لبنان في عام 1976. وللمفارقة، فإن الصراع الذي لم ينته على ما يبدو داخل الجيش والذي يستمر في أخذ وضعيات وهويات أضيق، صار داخل عشائر علوية. أي تلك العشائر التي ينحدر منها صلاح جديد ومحمد عمران. 

واستمر تحول الاصطفاف أضيقَ فأضيقَ، داخل الجيش السوري، حتى صار اصطفافًا داخل عائلة الأسد نفسها. وأسس رفعت الأسد جيشه الخاص "في إطار الجيش العام بشكل مدروس". وتبنى رفعت الأسد خطابًا يساريًا على قطيعة مع أخيه الذي اتهم غالبا باعتباره يمينيًا، نتيجة سياساته التي أوقفت الهجوم على الإقطاع ومالت نحو الإصلاحات الاقتصادية والاهتمام بالقطاع الخاص. وعلى أية حال فقد كان "كاسترو سوريا" أي رفعت الأسد كما روج له بعض مناصريه، على علاقة قوية مع السوفييت. وحاول إعطاء الأبعاد الريفية والطائفية بعدًا يساريًا أيدولوجيًا. بينما كان تحالفه الأقوى والحقيقي مع أمراء السعودية.

ومع سياسات تجنيد الشبان، وخاصة طلاب الجامعة، أنشئت مؤسسة التدريب الجامعي، وتم تحويلها إلى مؤسسة غير المرغوب بهم، أو إلى "مكب نفايات" لهم حسب تعريف الكتاب، وكان هؤلاء من تبقى من السنة والمسيحيين والأرمن، وأصحاب الخطاب اليساري ومن تبقى من "رفاق السلاح لا العقيدة".
 
تزامن ذلك مع إخفاق انقلاب رفعت الأسد، وتفكيك "سرايا الدفاع" ومعظم مراكزها في الدفاع والأمن. وهو ما مهد إلى ما يشبه الانتصار النهائي بعد كل الاصطفافات، التي ضاقت وضاقت حتى آلت إلى "حافظ الأسد.. قائدنا إلى الأبد" كما يسمي الكتاب المرحلة الخامسة والأخيرة. 

في المبحث الثاني من الفصل، يستعرض الكتاب الاصطفافات من ناحية لا سياسية ولا طائفية، لكن حضرية. أي يرصد سيطرة الخلفيات الريفية على الضباط. وربما يشير الكتاب، وإن لم يكن صراحة، أن هذا البعد ليس حضريًا خالصًا ولا يتعلق فقط بتصنيفات المدينة والريف، فهو يتقاطع في حالة سوريا مع الطائفية، ومع أبعاد طبقية بشكل أقل. 

وليست ظاهرة "ترييف الجيش" خطيرة، في الدول الحديثة، لكن المشكلة حسب بشارة تكمن في الدول التي لم تتحدث إلى درجة استيعاب هجرات الريفيين، ومع سيطرة حزب أيديولوجي وعسكرتاري. وعلى الرغم من نسج الأسد علاقات أكثر مع سكان المدينة وتجارها، إلا أنه لم ينقطع عن سياسات البعث في استجلاب الريفيين، وفرض سيطرتهم على المؤسسات الإدارية، ما جعل تجار المدن الداخلية يتذمرون دائمًا من اضطرارهم للتعامل مع بيروقراطية يسيطر عليها فلاحون.

وأدى تحسن القطاع العام والقطاع الخاص، والتمويل الخليجي، والبيروقراطية التي تغيب عنها الرقابة، إلى تشكيل طبقة برجوازية فاسدة، وتحول القادة الفلاحون إلى برجوازية جديدة، توازي البرجوازية التقليدية في المدن، التي ضمن الأسد ولاءها.

وبدءًا من نفوذ الأسد على الطبقتين البرجوازيتين، بدأت الطبقة تنوب عن الحزب، بالتزامن مع إعطاء فرص أكثر لأصحاب المصالح والشركات ورجال الدين وقادة العشائر، وصار ثلث أعضاء مجلس الشعب مثلًا من هؤلاء. وضمن الأسد ألا يكون تمثيلهم سياسيًا. 

لكن ما حدث أن هذه الطبقة، صارت تنوب عن القاعدة التقليدية لحزب البعث، وتراجع دور الحزب بشكل رئيسي في نهاية فترة حافظ الأسد. ولعل هذا ما يجعل المؤلف يقول في مقابلات معه سجلها صقر أبو فخر فيكتاب صادر مؤخرًا، إن الثورة السورية بعثية أكثر منها إسلامية، أي أنها ثورة القاعدة التقليدية لحزب البعث، التي خسرت أوضاعها. ويضيف الكتاب هنا أن الريفيين لم يخسروا أوضاعهم وامتيازاتهم فقط، ولكنهم اكتسبوا سببًا ومؤهلات للاحتجاج، وأكسبوا المدن السورية هذا السبب، نتيجة انتقالهم للمدينة، وبدء فترة جديدة من الترييف القائم على النزوح والهروب من الفقر، لا على الاستقطاب والبحث عن الحراك الاجتماعي من خلال الجيش، كما كان من قبل. 

ومع أن بشار الأسد ورث منصبًا قويًا، قائمًا على سلسلة طويلة من الانتصارات، إلا أنه ورث أيضا طبقة فاسدة، وقاعدة حزبية ستثور عليه لاحقًا. وهو ما يورده المؤلف بالتفصيل أيضا في كتاب "سوريا... درب الآلام نحو الحرية". 

وتوزعت علاقة بشار الأسد مع الجيش، والتي بدأت قبل استلامه للحكم لتسهيل عملية التوريث، على مرحلتين. المرحلة الأولى من عام 2000 حتى عام 2005. وهي كما يراها المؤلف مرحلة التساير مع الجيش، ما بعد ذلك، في المرحلة الثانية، حاول بشار الأسد إعادة هيكلة الجيش من جديد ومحاربة الضباط القدماء وتعيين ضباط جدد موالين له شخصيًا. وهو ما يدعي بشارة في كتاب صقر أبو فخر المذكور، أنه سنة كل أبناء الزعماء، الذين يريدون ترويج شيء من الإصلاح لتزيين مراحلهم، وتفريقها عن مراحل آبائهم.

تمكن الإضافة على تحليل بشارة في موضوع أبناء الزعماء، أن هذه السياسات متصلة بأزمة شاملة في جيش الدولة الوطنية العربية، إذ يكون الولاء للزعيم بشكل خاص لا للدولة، وبالتالي يحتاج الأبناء إلى من يوالونهم بشكل شخصي، لأنهم يشعرون بالخطر حيال موالي آبائهم، ولا يشعرون أن ولاءهم لآبائهم هو ولاء لهم، لأنه ولاء للزعماء/الأشخاص لا للدولة ولا حتى للسلطة أو المنصب.

وفي المبحث الأخير من الفصل المتعلق بسورية، يتطرق الكتاب إلى نشوء ظاهرتي التشبيح وفئة "الذئاب الشابة". ويبدأ المؤلف فيه بالتفريق بين نظامي صدام حسين والأسد، وبين العراق وسوريا كدولتين. ويؤكد أن المشابهة بينهما ليست مفيدة دائما. فالعراق دولة ريعية لا تقوم على جبي الضرائب حتى تعيل نفسها، على عكس سوريا التي تقوم على هذه الإعالة. وبالتالي فإن الفساد في سوريا سيحدث أنواع جباية غير رسمية وجديدة. إضافة إلى إعفاءات من الضرائب بسبب الرشاوى والأتاوات. وهو ادعاء يبدو متينًا، يفسر من خلاله الكتاب ظهور فئات الشبيحة، وأبناء الأغنياء الجدد. 

تحولات الجيش المصري

يؤرخ بشارة في هذا الفصل، لعلاقة الجيش المصري بالسياسة على ثلاثة مراحل. يبدأها بمرحلة "هيمنة العسكر وتداخل سلطات الجيش والرئيس". وهي مرحلة فرضت الولاءات العسكرية فيها على التعيينات بشكل كامل، وهذا لم يعن أن تكون المناصب السياسية فقط لعسكريين، ولكن أيضا إعطاء أولوية للولاءات على الاستحقاق والأهلية، وهو ما يرى المؤلف أن المجتمع المصري دفع ثمنه غاليًا.

وبدأ الصراع حول التداخل بين سلطات الجيش والرئيس، من اعتصام ضباط المدرعات في ثكناتهم، مطالبين بحل مجلس الثورة وعودة أعضائه إلى الثكنات، وقتها سلم مجلس الثورة القيادة لمجمد نجيب باعتباره رئيسًا. ولم يكن هذا التراجع من الضباط الأحرار إلا "تراجعًا تكتيكيًا" حسب وصف بشارة، للاستعداد لحيازة السلطة مجددًا.

ومع أن الضباط الأحرار، في تموز/يوليو من العام 1956، خلعوا بزاتهم العسكرية وظهروا بملابس مدنية باعتبارهم موظفي حكومة، بعد أن صار عبد الناصر رئيسًا، ومع أن مجلس قيادة الثورة ألغي، إلا أن المؤلف يؤكد في أكثر من موضع من الكتاب، أن عسكرة السياسة لم ترتبط أبدًا باللباس العسكري.

ويمكن القول إن حتى عودة الجيش إلى الثكنات، ونزعة عبد الناصر إلى إبعاد الجيش عن السياسة خوفًا من الانقلاب، إلا لم تعن أبدًا فصلًا حقيقيًا بين السياسة والجيش، حيث بقي الجيش، وإن على الثكنات، ضرورة لحماية وتعزيز نفوذ القيادات العسكرية الذين يرتدون "اللباس المدني" ومنهم عبد الناصر، وبقي الجيش ضرورة لاستقرار النظام، وبالتالي لم ينفصل على الحقيقة عن السياسة. أي إن "الجيش كان خاضعا للحكام المدنيين من أصول عسكرية" (ص152).

والدليل أنه من 18 حكومة شكلت بين عام 1952 إلى 1970. تولى مدني واحد الحكومة الأولى التي دامت لشهرين. وكان العسكريون يسيطرون على كل الحقائب الحساسة. لقد "تحدرت أغلبية الضباط من الطبقة الوسطى، فأقامت النخبة المصرية الجديدة بالتشارك مع فئة واسعة من الموظفين والتكنوقراط. وحل هؤلاء الضباط بالتدريج محل أبناء العائلات الأرستقراطية ومثقفي وفنيي المدن المصرية من خريجي الجامعات المصرية الممتازة والنخبوية بين الحربين العالميتين" (ص154). خاصة بعد دخول الضباط إلى الجامعات ومنافستهم للفنيين والمتعلمين. مع هذا، فقد كان الولاء الشخصي والزعامة الفردية بديلًا في الجيش المصري عن الانسجام الفكري، وحل الولاء بديلًا للمهنية أيضًا. 

استمر هذا الوضع حتى هزيمة حزيران/يونيو عام 1967، التي كشفت عن غياب المهنية وغياب الكفاءة، فتم تأهيل القوات المسلحة بعمليات تجنيد واسعة لأصحاب المؤهلات وساهم ذلك بتطوير الجيش المصري لاحقًا. وصولا إلى "الإنجاز المحدود" الذي حققه في حرب 1973.

إن تلخيص علاقة الجيش والسياسة في مرحلة عبد الناصر، حسب الكتاب، يجيء من الفصل للحماية، أي الحماية من الانقلاب، وإبعاد السياسة عن الجيش. لكن سياسات عبد الناصر في نفس الوقت جعلت الجيش في قلب السياسة، فالجيش أساس نفوذ القيادات العسكرية القادمة من أصول عسكرية. وعلى أية حال، كان هذا الانفصال "غير الحقيقي" عن الجيش، فرصة لعبد الناصر بعد حرب حزيران/يونيو لتبرير الهزيمة، ولإلقائها على 800 ضابط من بينهم عبد الحكيم عامر.

لقد تعاملت النخبة الثقافية المصرية مع الجيش، باعتباره مخلصًا، مقابل التقليل من شأن المدنيين، وهي رؤية عالم ثالثية تدعي أن الجيش هو المؤسسة الأولى المسؤولة عن "خلاص الشعب". وهو ما استمر في حالة مصر حتى "ثورة يناير" حسب المؤلف، حيث كان هناك شعورًا عامًا بالحاجة إلى الجيش لتسيير المرحلة الانتقالية نحو الديمقراطية. 

على أية حال، وبعد موت جمال عبد الناصر، فإن الفصل الذي قام (وهو حسب بشارة لم يكن دائمًا فصلًا بإرادته، ولكنه كان أحيانًا نتيجة نفوذ عبد الحكيم عامر)، فُهم من قبل السادات باعتباره خطأ فادحًا، يجب تصحيحه من خلال السيطرة المطلقة على الجيش مجددًا. 

في المرحلة الثانية من مراحل علاقة الجيش المصري بالسياسة، والتي أطلق عليها الكتاب اسم "خضوع الجيش للرئاسة"، أحكم الرئيس السيطرة على الجيش، خاصة أن المؤسسة العسكرية فقدت هيبتها الكاملة بعد هزيمة حزيران/يونيو، التي رغم أن عبد الناصر ادعى أنه يتحمل جزءا من مسؤوليتها في خطاب الاستقالة "الدرامي" كما يصفه المؤلف، إلا أنها، أي الهزيمة، اعتبرت هزيمة لمؤسسة الجيش لا لمؤسسة الرئاسة. وشكلت عودة عبد الناصر بعد مطالبة الشعب "الدرامية" أيضًا له بالعدول عن قرار الاستقالة، بدءًا لمرحلة جديدها أساسها فرض الرئاسة سيطرة كاملة على الرئاسة. 

بالتزامن مع ذلك، وفي نهاية فترة عبد الناصر وبداية فترة السادات، تطورت القوى الأمنية، التي خصصت للتعامل مع "الشغب" الشعبي، مقابل إبعاد فئات من الجيش عن التعامل المباشر مع هذا الشغب، والاحتكاك مع المجتمع. 


أخضع الجيش إذًا لإمرة منصب الرئاسة في فترة السادات، وتم عزله عن الشأن السياسي، باستثناء كونه موضوعًا للانتماء الوطني والقومي. وتحولت دولة العسكر إلى دولة الأمن، واكتمل حسب بشارة هذا التحول في عهد مبارك، وهو ما بدأه عبد الناصر في الأعوام الثلاثة بعد الهزيمة. تتبلور المجادلة هنا، في أنه يمكن فهم التاريخ السياسي المصري باعتباره صراعًا بين مؤسسات، أي بين مؤسسات الأمن والرئاسة والجيش بشكل خاص.

في الخلاصة، إن أقل ما يمكن أن يقال في هذا الكتاب إنه بالغ القيمة، وبالغ الأهمية، حتى من زاوية زمان نشره، واتصاله بالراهن العربي. يجمع عزمي بشارة دراسات وفصولًا من منشورات مختلفة، من مجلات ومن كتب قديمة أحيانًا، فينشرها مجتمعة باتساق وربط لا نجده في كتب كثيرة كتبت على دفعة واحدة.

ما يميز بشارة بالنسبة للقارئ، أنه مفكر بمشاريع واضحة، يتسق كل مقال يكتبه في مواضيع التحول الديمقراطي العربي مثلًا، مع كتبه كلها في هذا الموضوع. وكذا في العلمانية والإسرائيليات والمجتمع المدني... إلخ.


كتاب "الجيش والسياسة" مركزي، للباحثين المختصين وكذلك لدارسي العلوم الاجتماعية في المنطقة، ولكل من يحاول فهم دولة ما بعد الاستقلال العربية وإشكالياتها الكثيرة. وهو بذلك، يقدم عرضًا متلائمًا مع افتراضه الأول، أن ثنائية الجيش والسياسة مدخل ضروري لفهم بنية هذه الدولة ومصائرها.

 

 

ألترا صوت