Skip to main content

فصول

ما الذي يدفع بكاتب إلى ممارسة ألوان مختلفة من الكتابة، منتقلاً من المفاهيم النظرية الصارمة إلى "الأدب"، في صوره الطليقة ولغته المتعددة المستويات؟ ومن الذي يحرّض مفكّراً، كتب في السياسة ويمارسها، على تسجيل "نصوص ذاتية"، لا مكان فيها للتحريض والاستنهاض والنبرة الغاضبة؟ ولماذا الرحيل عن أرض "الأسئلة الجماعية" إلى فضاء الأسئلة المفردة؟. 

هذه الأسئلة وغيرها يطرحها القارئ، الذي يعرف عزمي بشارة، على ذاته وهو يتابع سطور كتابه الأخير: "فصول" الصادر عن المركز الثقافي العربي ببيروت مؤخراً. 

فقد أخذ بشارة، في كتاباته النظرية المتنوعة، بتلك القاعدة التي تقول: المثقف هو الذي يعايش البشر ويعيش قضاياهم ويعود إلى عزلة إجبارية يصوغ فيها الأسئلة ويبحث عن إجابات تردّ على فضول البشر. أمّا في الكتاب الجديد فقد آثر المؤلف أن يكسر القاعدة، فعاش قضاياه وتجوّل في أرجاء روحه وعاد إلى عزلته، التي لم يغادرها، ليكتب عن هواجس تؤرقه وليستولد صوراً كتابية تصف ما يؤذي العين والروح معاً. 

فصل د. بشارة بين "الجمهور"، الذي يحتفي بالخطابة والشعارات والكتابة النظرية، وحيّز الروح، الذي يعرف المثقف الفلسطيني أرضه وسقفه، ولا يدعو الآخرين إلى الدخول إليه. آثر بشارة أن يضيف إلى "تنظير الواقع" شيئاً آخر هو "الأدب" أو ما هو قريب منه، معترفاً بأن "رماد النظرية" لا يستقبل ألوان الحياة جميعاً، ولا يترك مطرحاً واسعاً للشكوى والأنين والحنين والاغتراب. 

وإذا كان في كتابات بشارة المتنوعة، الممتدة من الاقتصاد إلى السياسة، ومن الاقتصاد السياسي إلى الصهيونية والمجتمع الإسرائيلي، ما يخبر عن الحقيقة، فإن اقترابه من شظايا الرواية إلى الرواية ومن مجال التأمل إلى شظايا الشعر، يخبر عن "حقيقة هاربة" تعالجها الكتابة ولا تروّضها تماماً. فهو يكتب عن "الاغتراب العربي" مغترباً: يعالج الاغتراب الأول بلغة مستمدة من السياسة والتاريخ، ويعالج اغترابه الذاتي بلغة أخرى، تذهب من تجريب إلى آخر ولا تعثر على صيغة أخيرة. ولا أظن أنه سيلتقي بصيغة أخيرة طالما أنه ينطلق من معيش القضية التي يعيشها وهي: المسألة الفلسطينية التي كلما استقرت على "مشهد حزين" انتقلت سريعاً، إلى مشهد آخر أكثر حزناً. وما يطرد الصيغة، التي لن تصل، خصوصية مثقف - سياسي، عاش بين شعبه صبياً وطفلاً وكهلاً، ووجد نفسه خارجه، ذاهباً إلى تجارب جديدة ومستبقياً ما شاء من ذكريات الأمس القريب وأحلامه. 
نقرأ على الغلاف الأخير لكتابه "فصول": "شاب عصامي مخضرم، ونعني بذلك، أنه عالق في اللامكان بين النقطتين، في اللازمان بين اللحظتين". إنه الاغتراب في المكان، الذي يجعل الإنسان عاجزاً عن الرجوع إلى حيث كان، وعاجزاً عن الذهاب إلى مكان يرغب به. وهو أيضاً الاغتراب في الزمان، حيث ما مضى لا يعود، وما هو قائم لا يلبي من حاجات الروح إلا القليل. 

وما الاغتراب في المكان والزمان إلا اغتراب الإنسان في وجوده كله، بدءاً من اغتراب بصري، تقع فيه العين على ما يؤذيها، وصولاً إلى اغتراب لغوي، تنزاح الكلمات فيه عن المواضيع، وتنزاح المواضيع عما صاغها كلاماً. ومع أن الاغتراب يحيل، نظرياً وعملياً، على مستويات متعددة، فهو في حال بشارة يحكي عن فلسطيني اُبْعًد عن فلسطين، فالتقى بالمنفى واشتاق إلى ما كان فيه وابتعد. وتجربة الفقد الواسع هذه هي التي تجعل من "الفصول" مرايا تحتشد باليومي والذاتي والبصري والروحي والعارض والجوهري مستدعية، في نهاية المطاف، صورة المفقود الأثير، الذي ترسّب في الروح والتصق بها. 

يندرج الكتاب، في مستوى منه، في "أدب الحنين"، الذي يخالطه عشق صامت مستتر الصوت. نقرأ في فصل عنوانه: "لو تعرفين": "يؤرقه أنه غداً لن يراك، وجمالك أصلاً يوجعه، تكبرين إذا مست عيونه وجنتيك، لا تيأسي، أنت له دنياه، صرت معناه الوحيد، مذ طلّق ما ينبغي وفارق المجردات". يأخذ بشارة بصورة العاشق والمعشوقة، التي إذا قُشًّرت من سطحها الخارجي، المخادع أحياناً، ردّت إلى حب صوفي كبير يستدعي، في التحديد الأخير، ما يُقبض وما لا يقبض عليه في آن. 

ولعل الشوق إلى زمن فلسطيني حميم، كان معيشاً وانسحب، هو الذي دفع بعزمي، المنظّر السياسي، إلى كتابة تفيض على المفاهيم، وأخذ بيده، تلقائياً، إلى كتابة طليقة، يسجل فيها ما يخفق في عقله وروحه وإحساسه، وهو الذي أملى عليه أن يكتب "مزاميره" معبّراً عن هوية وثقافة محددتين، ومعبراً أولاً عن "روح قلقة" لا تلبيها صيغ الكتابة الجاهزة. يتكشّف، في هذه الحدود، معنى "التجريب الكتابي"، الذي لا يستشير كتاباً ويستأنس بغيره، بل ينطلق من "فوضى التجربة والكتابة"، إن صح القول، المشدود أبداً إلى تجربة فرد خاص، لا تختلط بغيرها. 

وقد يقال: إن من نفي من أرض "أورق فيها الحجر"، كما قال محمود درويش، لن يعثر لها على بديل. بيد أن بشارة يضيف إلى البديل المفقود وعياً سياسياً وثقافياً حاداً "يوطّد" "اغترابه الجوهري" باغتراب جديد، ذلك أن في "الخارج العربي"، والرسمي منه بخاصة، ما يترك "الداخل الفلسطيني" مهجوراً. ينوسُ المغترب، والحال هذه، بين جمال المفقود وأشواك الموجود، سائراً من شكوى إلى شكوى، ومن أشواق حبيسة إلى نبرة نقدية غاضبة. يقول في "فصل" عنوانه لو ورائحة المساء: 

"فوضى تفاصيل المدينة لا تشكّل لوحة 
لكنها تكفي لتحجب صورة الأفق البعيد". 

سديم فاعل، يُسقط الأشكال الملونة ويغلق ما يشاء، تاركاً لـ"الموت"، وهي كلمة واسعة الحظ في كتاب عزمي، نافذة واسعة لروح منقسمة، تصوغ الأحلام في "الكتابة النظرية"، وترثي أشلاء الأحلام في "الكتابة الطليقة": 

"صنف يزول وأحلامه حية ترزق، 
وصنف تموت أحلامه في حياته" 

والمقصود، في الحالين، مثقف ورث أحلاماً "مقصوصة الجناحين "وورثّها لغيره، والمقصود أكثر "مثقف فلسطيني قومي"، يستنهض فلسطين في لحظة شللها، ويستدعي "قومية" لا تستطيع الوقوف. ولهذا: "صارت فكرة الموت ملاذاً من اغتيال الحقيقة"، إشارة جو معطوب واهن الخُطا، يعتكز فيه حالمون مهزومون على حالمين يسيرون بتفاؤل معلول إلى هزيمة تتصدّر نهاية الطريق: 

"بعض هذا الجيل يدفن بعضه الثاني 
يحلّ بعد النحيب وجوم 
وصمت ثقيل وبعض التأمل 
ويتبعه كالقدر النقاش الفاني..". 

لا يقرأ هذا القول في شكله الخارجي، شعراً كان أو نثراً أو جزءً من سيرة روحية، إنما يقرأ في الكلمات التي تصوغه، الموزعة على: الدفن، النحيب، الصمت الثقيل والقدر الفاني،.. وإذا كان في هذه الكلمات ما يرتبط بـ"أقدار مثقف فلسطيني"، فإن فيها ما يبني شهادة على زمن عربي جوهره التقويض، وما يفتح القراءة على فضاء موحش كئيب، يثير الفضول ولا يثيره في آن: لا يثير الفضول لأنه يتحدث عن تداعْ عربي مألوف، ويثير الفضول في سعيه (إلا) رسم "الكآبة كما هي"، واضحة جلية تقبض عليها الكلمات بصيغ متعددةً. 

يعثر القارئ في فصل "لون ورائحة للمساء" على الكلمات التالية: "الفراغ، عزلة المغترب، الانكماش، والضيق ينزع للركود، فوضى، دوخة، على قمر حاراتنا.." تثير هذه الكلمات الفضول مرتين: مرة أولى وهي تجتهد في تخليق وعيْ موجعْ بوحشةً الوجود، وتستنفر إمكانياتها في التقاط "السديم الكامل". 
في زمن مضى تطلع غسان كنفاني إلى رسم "الواقع كما هو"، أو رسمه مئة بالمئة، كما كتب د. إحسان عباس ذات مرة، وفي زمن مختلف، أتلف الواقع وقضاياه، يحاول بشارة رسم "الكآبة الخرساء كما هي"، .. تتجلى المرة الثانية في المسافة الفادحة بين خطاب عزمي بشارة العام، الذي كتبَ مؤخراً "أن تكون عربياً في أيامنا" وبوحه الذاتي الذي يكاد يقول "أن تستطيع الحياة في أيامنا". والمأساة واضحة وضوح حبة الدمع في عين اليتيم، ووضوح ذلك السؤال الذي لا إجابة عليه: من يحرّض المحرّض، ومن يستنهض مثقفاً مغترباً "وظيفته" استنهاض اليائسين؟ 

تتكشّف أحوال "المثقف التراجيدي" في شكلين: شكل أول مرجعه عدم التكيّف مع "جمهور ضيق متعالم" يطرح مبتسماً أسئلة فارغة، أو يصوغ "شعارات كبيرة" بكلمات فقيرة. يقول عزمي في فصل "شرح صباحي": "وها أنا أفتح بابَ صباحي لنموذج بشري، يستعرض عضلات الدهشة فوق العينين، ولا يحمل لي خبراً ولا خبزاً، ولا لبناً طازجاً..". 

ليس بين البشر المغتبطين، الذين يتحدثون عن فلسطين وأسعار العملات، إلا ما هو قائم بين زيتون فلسطين ودعاية "الماكدونالد". إنه التجمّل الاجتماعي في زمن منهوك، يطرق باب المغترب الفلسطيني ليزيده اغتراباً. يأخذ الشكل الثاني وضع المفارقة، لأن على المجهد المرهق المختنق أن يوزّع الأمل، وأن يجتهد في "الوفاء للمسؤولية المحزنة"، إذن على الفلسطيني أن يكون عربياً ومدافعاً عن العروبة، وجدت أو أوجدها ، وأن يكون "مبشراً" في يوم الحداد، وأن يستنبت الأمل في أرض تكره الأمطار. 
كيف ينجز الإنسان ما ينبغي إنجازه في شرط لا يسمح بإنجاز أي شيء؟ هذه هي المفارقة التي يدير عزمي بشارة حديثه حولها في كتابه "فصول". لا غرابة أن تفصح عناوين الفصول عن مضمونها: عدم (بيوت منزوعة منها البيوت)، عبث (لا أمسى اليوم أمساً، ولا غدا الغد حاضراً، وجدت اليوم يحضن يومه)، يقظة (دعني أعايش صمتي بصمت)، عدمية (وتصبح الغاية مجرد نفاية، أو تغدو وسيلة)، ركض موضعي (كأن العمل وقت الفراغ من الفراغ)، هاجس (يسلف الناس العزاء على الحساب).. 

المأساوي أن يبدو الفلسطيني عادياً في شرط مأساوي، والمأساوي أن يعزي الإنسان غيره وهو بحاجة إلى عزاء، والمأساوي النموذجي انزياح البداهات عن مواقعها، كأن يسند الإنسان جداراً يستند إليه، أو أن يصبح البيت شارعاً والشارع بيتا، أو أن يلتمس الإنسان الحكمة في بيت دعارة بديع الأثاث، .. غير أن ما يتوج المأساة، في خطاب بشارة، هو الحنين إلى بيت، بدا ذات مرة بيتاً، وحوّله المنفى إلى فردوس مفقود: "وشرفة بيتنا الأولى، دهنت بلكنة والدي "أزرق سماوي"، وقبة المسجد القديم في حارتنا (كانت أقرب للأزرق رغم إدعاء الخضرة) وأول ثوب لأخي الصغير..". طفولة كانت كما كانت، وأضاف إليها المنفى زرقة سماوية، وبيتا كساه الحنين بالخضرة، وطفولة ذهبت وعادت أطيافها مسقوفة بالورد والعصافير. والمحصلة روح تطرد البرد بالذكريات، وضيق في النفس تعالجه الكلمات لحظة ثم تغفو. 

يلجأ عزمي، في نثر إيقاعي جميل يقترب من الشعر، أو في كتابة حرة تخاصر الشعر والنثر معاً، إلى "جامع القول"، الذي هو صورة تتاخم المفهوم، أو مفهوم نظري يتكئ على الصورة، ليعطي قوله الملتبس صياغة واضحة: "من هزم ذاته، هيهات أن ينتصر - ممارسة الاكتئاب في عزلة امتياز المترفين - من يستهجن الحب ليس بحاجة إلى صديق - الحرية مجازفة لا تحسب ومعاناة مضمونة العواقب، الحياد يحيّد الحق ويحكّم القوة - أليس حب الرجل رجولته مثلية جنسية - أن الحب لا يعلل نفسه - وألم الولادة ليس ولادة الألم - إن الحب لا يعلّل - حين يغدو الفعل خلقاً تضعف النفس وترنو للخلود - . 

إذا كان "جامع القول" توحيداً بين الصورة والمفهوم، فإنّ في ما يجاوره، أو يتقاطع معه صوراً متسائلة، أو أقرب إلى السؤال: "انقلب الزئير نباحاً خافتاً تحت المطر، سماجة يعاقب عليها القانون لاقتحامها خصوصية الأذن، يجول بين الغرفتين كوحيد القرن في ساحة ترابية صغيرة، تأرجحت روحه مثل كرسي فارغ هزّته الريح فانبعث الصرير، أحزمة المدن أمارة سقوطها، ..."؟. تجمع الصور هذه بين التأمل والتساؤل والاحتجاج، لا هي بالمفاهيم النظرية تماماً، ولا هي بصور شعرية معترف بها، وإن كانت جمالية المنظور تتاخم المفاهيم والصور معاً. إنها لغة البوح المختلف، الذي يطلق العقل والروح معاً، مبرهناً أن الكتابة المبدعة لا ترتهن إلى قاعدة، ولا تنصاع إلى قانون. 

ريما يكون كتاب عزمي بشارة "فصول" هو الأجمل والأعمق بين كتاباته جميعاً، يتضمن المقاربة النظرية وما يفيض عليها، ويحتضن المعالجة الأدبية وما يتجاوزها، ويرضي العقل والقلب معاً. إنه كتاب خاص، يبدو أدباً وينتهي إلى الفلسفة، ويتمظهر فلسفة في شكل أدبي، أو أنه سعي إلى التفكير بشكل شعري. 

 

فيصل دراج

Image